حفات جلعاد من كرفانات استيطانية إلى مركز هجمات

2026.07.25 - 10:57
Facebook Share
طباعة

 أعادت الأحداث التي شهدتها بلدة تل جنوب غربي نابلس تسليط الضوء على بؤرة "حفات جلعاد" الاستيطانية، التي تعد من أبرز البؤر المرتبطة باعتداءات المستوطنين في شمال الضفة الغربية المحتلة.

وبحسب مصادر فلسطينية، بدأت الأحداث عندما شن مستوطنون هجوماً على البلدة انطلاقاً من محيط البؤرة الاستيطانية، حيث أظهرت تسجيلات مصورة متداولة اعتداءات نفذها مستوطنون مسلحون ضد فلسطينيين قبل تطور الأحداث إلى مواجهات ميدانية.

وتحوّلت المواجهات إلى اشتباكات بالأيدي بين الأهالي والمستوطنين خلال محاولة السكان الدفاع عن منازلهم وأراضيهم، قبل أن تظهر تسجيلات مصورة إطلاق قوات الاحتلال الإسرائيلي النار بكثافة باتجاه الفلسطينيين، ما أدى إلى مقتل أربعة فلسطينيين.

وفي المقابل، قالت سلطات الاحتلال إن فلسطينياً تمكن من السيطرة على سلاح أحد الإسرائيليين واستخدمه في إطلاق النار، ما أدى إلى مقتل جنديين إسرائيليين، أحدهما برتبة رائد. بينما ذكرت صحيفة "يسرائيل هيوم" أن السلاح انتُزع من ضابط أمن في إحدى المستوطنات القريبة، قبل إعلان الجيش الإسرائيلي لاحقاً مقتل الفلسطيني واستعادة السلاح.

 

بؤرة تأسست بدافع الانتقام

تعود بداية إقامة "حفات جلعاد" إلى أبريل/نيسان 2002، عندما أنشأها المستوطن المتطرف موشيه زار، وهو عضو سابق في التنظيم اليهودي السري المسلح الذي ارتبط باعتداءات استيطانية خلال ثمانينيات القرن الماضي.

وجاء تأسيس البؤرة عقب مقتل نجله جلعاد زار، الذي كان يشغل منصب ضابط الأمن في مجلس مستوطنات شمال الضفة الغربية، ومن هنا جاءت تسمية المكان بـ"حفات جلعاد"، حيث تعني كلمة "حفات" مزرعة.

بدأت البؤرة الأولى عبر نصب خيام ووضع كرفانات على أراضٍ فلسطينية خاصة، ضمن مخطط يهدف إلى إنشاء حلقة استيطانية مترابطة تربط بين عدد من المستوطنات المقامة حول نابلس، ومنها "يتسهار"، و"هار براخا"، و"إيتمار"، و"ألون موريه"، و"شفي شومرون"، و"قدوميم".

وسعت هذه البؤرة إلى تعزيز السيطرة على المنطقة المحيطة بنابلس، وقطع التواصل الجغرافي بين القرى الفلسطينية، إضافة إلى الحد من توسعها العمراني وعزل المحافظة عن محيطها باتجاه قلقيلية.

 

محاولات إزالة فشلت أمام إعادة البناء

خلال العام الأول من تأسيسها، أصدرت الإدارة المدنية التابعة للاحتلال أوامر بهدم منشآت البؤرة باعتبارها غير قانونية، ونفذ الجيش الإسرائيلي عمليات إخلاء وهدم للكرفانات أكثر من مرة، بناء على اعتراضات قانونية قدمها سكان قرى إماتين وتل وجيت عبر منظمة "ييش دين" الحقوقية.

لكن المستوطنين أعادوا بناء البؤرة بعد كل عملية إخلاء، خصوصاً خلال أكتوبر/تشرين الأول 2002 ويوليو/تموز 2003، حتى تمكنوا تدريجياً من فرض وجود دائم وتثبيت المباني والمنشآت في الموقع.

وللالتفاف على قرارات المحاكم الإسرائيلية، جرى تحويل البؤرة إلى منطقة زراعية ورعوية، قبل أن تصدر المحكمة العليا الإسرائيلية عام 2010 أمراً احترازياً يمنع إخلاءها، وهو ما ساهم في تثبيت وجودها وتوسعها لاحقاً.

ووصلت مساحة البؤرة مع مرور الوقت إلى نحو 450 دونماً من الأراضي الزراعية والمراعي الخاصة.

وفي 31 يناير/كانون الثاني 2018، حصلت "حفات جلعاد" على اعتراف رسمي من الحكومة الإسرائيلية، بعد قرار صادقت عليه حكومة بنيامين نتنياهو بالإجماع في 4 فبراير/شباط من العام نفسه، وذلك عقب مقتل الحاخام المستوطن رازيئيل شيفاح قرب الموقع.

 

من بؤرة استيطانية إلى موقع مسلح

تشير تقارير حقوقية إلى أن "حفات جلعاد" تمثل نموذجاً لآلية توسع استيطاني تعتمد على إقامة بؤر غير معترف بها رسمياً في البداية، قبل تثبيت وجودها تدريجياً عبر الدعم السياسي والعسكري.

وتقع البؤرة ضمن شبكة استيطانية واسعة في محافظة نابلس، التي تضم عشرات البؤر والمستوطنات المقامة على آلاف الدونمات من الأراضي الفلسطينية.

ومع مرور السنوات، لم تعد "حفات جلعاد" مجرد تجمع رعوي أو زراعي، بل تحولت إلى موقع مسلح تستخدمه مجموعات استيطانية متطرفة كنقطة انطلاق لتنفيذ اعتداءات ضد الفلسطينيين.

وترتبط البؤرة بنشاط مجموعات مثل "شبيبة التلال" وجماعات "تدفيع الثمن"، التي تنفذ اعتداءات تشمل قطع الأشجار، وإحراق المركبات، وإطلاق النار، والسيطرة على المراعي، ومنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم.

وفي شهادة سابقة قدمها المواطن خير الله عبد الله من قرية صرة لمنظمة "بتسيلم" الحقوقية الإسرائيلية، قال إن الجيش الإسرائيلي يوفر الحماية للمستوطنين أثناء عملهم في الأراضي وشق الطرق، في حين يُمنع أصحاب الأراضي الفلسطينيون من الاقتراب منها.

 

منظومة توسع تعتمد على الحماية والإفلات من العقاب

تربط تقارير صادرة عن جهات حقوقية ودولية بين العنف الذي تشهده المنطقة وبين توسع المشروع الاستيطاني من خلال ثلاثة عناصر رئيسية.

يتمثل العنصر الأول في تقسيم الأدوار ميدانياً، حيث تتحول البؤر الرعوية المسلحة إلى نقاط تجمع وانطلاق للمجموعات الاستيطانية المتطرفة.

أما العنصر الثاني فيرتبط بالدعم الحكومي والعسكري، من خلال الوجود المستمر لقوات الاحتلال حول هذه البؤر وتوفير الحماية للمستوطنين أثناء توسعهم على الأرض.

ويتمثل العنصر الثالث في ضعف المحاسبة، إذ تشير منظمة "ييش دين" إلى أن نسبة كبيرة من ملفات التحقيق في اعتداءات المستوطنين تغلق دون تقديم لوائح اتهام، مع تسجيل معدلات منخفضة جداً للإدانة.

وتظهر حالة "حفات جلعاد" كيف تحولت بعض البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية من تجمعات صغيرة أقيمت على أراضٍ فلسطينية إلى أدوات تستخدم لتغيير الواقع الجغرافي وفرض السيطرة على الأرض، وسط استمرار التوسع الاستيطاني والاحتكاكات اليومية مع السكان الفلسطينيين.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
Ajouter un commentaire
* Type the result 7 + 8

Lire aussi