دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة أكثر حساسية بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب معادلة ردع جديدة تقوم على استهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية مقابل أي هجوم يستهدف السفن في مضيق هرمز، في خطوة تعكس تحولاً واضحاً في طبيعة الأهداف الأمريكية بعد أكثر من عشرة أيام من العمليات العسكرية المتواصلة دون تحقيق تغيير حاسم في الموقف الإيراني.
وجاء الرد الإيراني سريعاً عبر سلسلة تهديدات باستهداف منشآت الطاقة والجسور والموانئ في المنطقة، محذرة من أن أي هجوم على البنية التحتية الإيرانية سيقود إلى توسيع الحرب وإشعال مواجهة يصعب احتواؤها.
ترمب يغير قواعد الاشتباك
أعلن الرئيس الأمريكي أن أي هجوم إيراني على السفن في مضيق هرمز سيقابله قصف مباشر للجسور ومحطات توليد الكهرباء داخل طهران والمناطق المحيطة بها، لتصبح البنية التحتية المدنية جزءاً من بنك الأهداف الأمريكي للمرة الأولى منذ بدء التصعيد.
وقال ترمب عبر منصة "تروث سوشيال" إن الولايات المتحدة ستدمر جسراً أو محطة كهرباء مقابل كل عملية تستهدف سفينة في المضيق، سواء باستخدام الصواريخ أو الطائرات المسيّرة أو أي وسيلة أخرى.
وجاء هذا التصعيد بعد يوم واحد من تلويحه باستهداف موقع نووي إيراني في جبل الفأس، إضافة إلى تأكيده خلال مؤتمر صحفي في البيت الأبيض مع الرئيس اللبناني جوزيف عون استمرار الحصار المفروض على مضيق هرمز، مشدداً على أن أحداً لا يعبره.
مأزق عسكري وضغوط سياسية
تأتي تهديدات ترمب في ظل استمرار المواجهة العسكرية دون تحقيق نتائج حاسمة، بعدما واصلت الولايات المتحدة وإيران تبادل الضربات طوال إحدى عشرة ليلة متتالية.
وتشير معطيات من واشنطن إلى أن الإدارة الأمريكية تبحث خيارات لتوسيع العمليات العسكرية بهدف إجبار إيران على القبول بالرؤية الأمريكية الخاصة بحرية الملاحة في مضيق هرمز ومنعها من فرض قيود أو رسوم على حركة السفن التجارية.
وتحدثت تقارير أمريكية وإسرائيلية عن احتمال استئناف حملة عسكرية واسعة بالتنسيق بين واشنطن وتل أبيب، قد تشبه العملية المشتركة التي نُفذت في فبراير الماضي، وسط مشاورات بشأن لقاء مرتقب بين ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
في المقابل، يواجه الرئيس الأمريكي ضغوطاً داخلية متزايدة، إذ يرى مسؤولون أمريكيون أن توسيع الحرب قد ينعكس سلباً على فرص الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي، خاصة مع تراجع التأييد الشعبي للعملية العسكرية داخل قاعدة ترمب الانتخابية.
وتشير استطلاعات وتقارير سياسية إلى انخفاض نسبة المؤيدين للحرب داخل تيار "ماغا"، مقارنة بالأشهر الماضية، وهو ما يزيد من تعقيد خيارات البيت الأبيض.
استنزاف القدرات العسكرية الأمريكية
يترافق التصعيد مع تصاعد القلق داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية بشأن حجم الاستنزاف في الذخائر والصواريخ المستخدمة خلال العمليات ضد إيران.
ولهذا السبب طلب وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث من الكونغرس الموافقة على حزمة تمويل طارئة بقيمة 89 مليار دولار، خصص منها نحو 67 مليار دولار لتغطية نفقات الحرب، بعدما تجاوزت تكلفتها حتى الآن 37 مليار دولار.
ويرى مراقبون أن استمرار العمليات بالوتيرة الحالية سيزيد الضغط على المخزون العسكري الأمريكي، خصوصاً مع استمرار الانتشار العسكري الواسع في منطقة الخليج والبحر الأحمر.
طهران تتوعد باستهداف البنية التحتية
الرد الإيراني جاء عبر سلسلة تصريحات من مسؤولين عسكريين وسياسيين أكدوا فيها اعتماد مبدأ الرد بالمثل.
ونقلت وسائل إعلام إيرانية عن مصدر عسكري أن أي استهداف للجسور أو المنشآت الحيوية داخل إيران سيقابله قصف لمنشآت الطاقة والبنى التحتية في المنطقة، مؤكداً أن الولايات المتحدة تدرك قدرة إيران على ضرب أهداف تحددها بنفسها.
كما أعلن قائد القوة الجوفضائية في الحرس الثوري، مجيد موسوي، أن استهداف محطات الكهرباء والجسور الإيرانية سيقود إلى انقطاع الكهرباء عن حلفاء الولايات المتحدة والدول التي تستضيف قواتها.
وفي السياق ذاته، أكد موقع "نور نيوز" المقرب من المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني أن استهداف البنية التحتية الإيرانية سيشعل حرباً واسعة قد تمتد إلى ما هو أبعد من المنطقة.
معادلة "الجسور مقابل الجسور"
أكد مسؤولون عسكريون إيرانيون أن الرد لن يقتصر على استهداف السفن، بل سيشمل الجسور والموانئ ومنشآت النفط والغاز ومحطات الكهرباء في المنطقة.
وأعلن مقر خاتم الأنبياء أن أي هجوم أمريكي على البنية التحتية الإيرانية سيؤدي إلى استهداف منشآت الطاقة والنفط الإقليمية، متوعداً بعدم السماح بتصدير "قطرة نفط واحدة" إذا توسعت الهجمات.
كما شدد البيان على استمرار إغلاق مضيق هرمز، مؤكداً أن عبور السفن سيبقى خاضعاً للترتيبات التي تحددها إيران وحدها.
وتزامنت هذه التصريحات مع تأكيد وسائل إعلام إيرانية أن المضيق يخضع بالكامل لسيطرة القوات الإيرانية، وأن حركة الملاحة لن تعود إلى طبيعتها في ظل استمرار المواجهة.
قاليباف: لا أمن لأحد إذا غاب أمن إيران
من جانبه، أكد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن أمن البنية التحتية في المنطقة مرتبط بأمن إيران، محذراً من أن أي اعتداء جديد سيقود إلى توسيع دائرة الاستهداف.
وقال إن المعادلة أصبحت واضحة، "إما الأمن للجميع أو لا أمن لأحد"، معتبراً أن استقرار مضيق هرمز لن يتحقق إلا بانسحاب القوات الأمريكية من المنطقة.
كما شدد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على أن بلاده لن تستسلم للضغوط العسكرية، مؤكداً استمرار تمسك طهران بالحلول السياسية، فيما جدد وزير الخارجية عباس عراقجي التأكيد أن أي جهة تشارك في استهداف البنية التحتية الإيرانية ستصبح هدفاً مشروعاً.
تحول في طبيعة الحرب
يرى محللون أن تهديد ترمب باستهداف الجسور ومحطات الكهرباء يمثل تحولاً نوعياً في الاستراتيجية الأمريكية، بعد أن اقتصرت الضربات خلال الأيام الماضية على الرادارات ومنظومات الدفاع الجوي والقواعد العسكرية ومخازن الأسلحة والموانئ الواقعة جنوب إيران.
ويعتقد مراقبون أن إدخال العاصمة طهران إلى دائرة الأهداف المحتملة يعكس محاولة لزيادة الضغط السياسي والعسكري على القيادة الإيرانية، بعدما لم تحقق الضربات السابقة الهدف المعلن بإجبار طهران على تغيير سياستها في مضيق هرمز.
وفي المقابل، تشير القراءة الإيرانية إلى أن أي انتقال لاستهداف البنية التحتية المدنية سيقابل برد مماثل يطال منشآت حيوية في المنطقة، وهو ما يرفع احتمالات اتساع الحرب إلى مستوى غير مسبوق.
كما تشير تقديرات استخبارية أمريكية إلى أن الحملة العسكرية المستمرة منذ أحد عشر يوماً لم تنجح حتى الآن في تغيير سلوك إيران أو دفعها للتراجع عن مواقفها، في وقت أظهرت بيانات حركة الملاحة استمرار عبور عدد من السفن المرتبطة بإيران رغم الحصار البحري الذي فرضته واشنطن.