تحولت منطقة عين سامية، الواقعة شرق مدينة رام الله، إلى إحدى أبرز بؤر الصراع على الأرض والمياه في الضفة الغربية، بعدما فرض المستوطنون سيطرتهم على مساحات واسعة منها، وهجّروا التجمعات البدوية، ومنعوا المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، في خطوة يقول مسؤولون فلسطينيون إنها تستهدف إحكام السيطرة على أحد أهم مصادر المياه في المنطقة وتعزيز الاعتماد على الإمدادات الإسرائيلية.
لم تقتصر تداعيات الاستيطان على الأراضي الزراعية، بل شملت تهجير ثلاثة تجمعات بدوية وإخلاء مدرستين، إلى جانب تحويل مساحات واسعة إلى مناطق عسكرية، الأمر الذي حرم السكان من العودة إلى منازلهم أو الاستفادة من المراعي الطبيعية.
باتت مساحات شاسعة من أراضي قرية كفر مالك، الممتدة حتى الأغوار وأريحا والبالغة نحو 58 ألف دونم، خارج متناول أصحابها، وسط تأكيدات من الأهالي بأن المنطقة تشهد تفريغًا تدريجيًا من الوجود الفلسطيني.
تشكل آبار عين سامية الستة شريانًا مائيًا رئيسيًا يغذي 19 تجمعًا فلسطينيًا في محافظة رام الله، ما جعلها هدفًا متكررًا لاعتداءات المستوطنين التي طالت البنية التحتية للمياه والكهرباء.
يشير مدير دائرة العلاقات العامة في مصلحة مياه محافظة القدس فارس المالكي إلى أن الاعتداءات استهدفت خطوط الكهرباء والمياه، والمحطة الرئيسية والفرعية، إضافة إلى طواقم الصيانة التي تعمل على تشغيل الآبار.
بلغ عدد الاعتداءات المسجلة على الآبار أكثر من 100 اعتداء خلال عامي 2024 و2025، فيما استمرت الهجمات خلال عام 2026، وكان أحدثها من بين الأعنف، ما دفع الجهات الفلسطينية إلى التواصل مع سلطة المياه والارتباط المدني والاتحاد الأوروبي والسفارة الأميركية للمطالبة بالتدخل.
عمد مستوطنون إلى اقتحام المحطة الرئيسية، وقطع خطوط الكهرباء المرتبطة بلوحات التحكم الخاصة بتشغيل المضخات، وهو ما تسبب في توقف ضخ المياه بالكامل إلى القرى المستفيدة.
استغرقت أعمال إصلاح الأعطال وإعادة تشغيل المنظومة ساعات طويلة، تخللتها فحوصات مخبرية للتأكد من سلامة المياه قبل استئناف ضخها، في ظل مخاطر أمنية تحيط بفرق الصيانة بسبب وجود بؤر استيطانية قرب الموقع.
تنعكس هذه الاعتداءات مباشرة على أكثر من 100 ألف فلسطيني في 19 تجمعًا، من بينها كفر مالك، سلواد، يبرود، الطيبة، دير جرير، رمون، ترمسعيا، سنجل، مخيم الجلزون، دورا القرع، عين سينيا وعدد من القرى المجاورة.
تُقدَّر الخسائر الناتجة عن عمليات التخريب بملايين الشواكل، نتيجة تدمير خطوط المياه، وقطع الكابلات، وإتلاف كاميرات المراقبة، فضلًا عن التكاليف المترتبة على إعادة تشغيل الآبار بعد كل اعتداء.
يستبعد مسؤولو مصلحة المياه إيجاد بديل تقني لعين سامية، بسبب طبيعة المنطقة الجغرافية، وتصميم شبكة المياه، والقيود التي تفرضها سلطات الاحتلال على حفر آبار جديدة في مناطق (ج).
تمثل آبار عين سامية نحو 15% من إجمالي المياه التي تضخها مصلحة مياه محافظة القدس، بينما تعتمد النسبة المتبقية، البالغة 85%، على المياه المشتراة من شركتي ميكوروت وجيحون الإسرائيليتين.
يربط المسؤولون تكرار الاعتداءات بمحاولات دفع الفلسطينيين إلى زيادة الاعتماد على المياه التي توفرها الشركات الإسرائيلية، عبر إضعاف المصادر المحلية وإخراجها من الخدمة.
يعتبر المدير العام لجمعية الهيدرولوجيين الفلسطينيين عبد الرحمن التميمي أن السيطرة على المياه تمثل ركيزة أساسية في المشروع الاستيطاني، موضحًا أن إسرائيل أحكمت قبضتها على هذا القطاع منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967، بعدما ألغت سلطة المصادر الطبيعية وأخضعت إدارة المياه للحكم العسكري، ثم منحت شركة ميكوروت امتياز إدارة خدمات المياه.
يوضح التميمي أن إسرائيل تُعد الدولة الوحيدة التي تربط إدارة المياه بالأمن القومي، إذ بقي الملف تحت إشراف المؤسسة العسكرية من خلال "ضابط المياه" في الإدارة المدنية.
يخضع نحو 80% من مصادر المياه في الضفة الغربية للسيطرة الإسرائيلية، بينما تقتصر مهمة السلطة الفلسطينية على شراء المياه من شركة ميكوروت وإعادة توزيعها على التجمعات الفلسطينية.
يرى التميمي أن استمرار السيطرة على الموارد المائية يهدف إلى تكريس الهيمنة على الأرض والسكان، وتوجيه الجزء الأكبر من المياه نحو المستوطنات، بالتوازي مع عرقلة تطوير مصادر فلسطينية مستقلة.