الجفاف والحرب يهددان مستقبل الزراعة والأمن الغذائي في سوريا

2026.07.21 - 16:40
Facebook Share
طباعة

يضرب الجفاف مساحات واسعة من الأراضي السورية في وقت لا يزال فيه القطاع الزراعي يرزح تحت آثار أكثر من عقد من الحرب، لتجد البلاد نفسها أمام أزمة مركبة تهدد الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي وسبل عيش ملايين السكان. فالتغيرات المناخية، وتراجع الموارد المائية، ودمار البنية التحتية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، كلها عوامل دفعت الزراعة السورية إلى واحدة من أصعب مراحلها منذ عقود.

 

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن تغير المناخ وشح الموارد المائية يسرعان تفاقم الأزمة الزراعية في سوريا، بينما تؤكد المعطيات الميدانية أن آثار الجفاف أصبحت واضحة في معظم المناطق الزراعية، مع انخفاض معدلات الهطول المطري وتراجع مخزون المياه الجوفية، الأمر الذي انعكس مباشرة على إنتاج المحاصيل والثروة الحيوانية.

 

في غوطة دمشق، التي عرفت لعقود بخصوبة أراضيها ووفرة مياهها، تبدلت ملامح المشهد الزراعي بصورة كبيرة. ويؤكد مزارعون أن الأمطار لم تعد تكفي لتأمين احتياجات المحاصيل، كما انخفض منسوب المياه الجوفية بشكل ملحوظ، ما دفع كثيرين إلى تقليص المساحات المزروعة أو التخلي عن الزراعات التي تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه.

 

أصبحت عملية ضخ المياه من الآبار تعتمد بصورة أساسية على الوقود أو الكهرباء، وهو ما رفع تكاليف الري إلى مستويات تفوق قدرة عدد كبير من المزارعين. كما اضطر بعضهم إلى الاكتفاء بري الأشجار للحفاظ عليها، بينما أوقف آخرون زراعة المحاصيل الموسمية بالكامل.

 

يرى العاملون في القطاع الزراعي أن الدعم الحكومي يخفف جزءًا من الأعباء، لكنه لا يواكب حجم الخسائر الناتجة عن الجفاف وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج، محذرين من أن استمرار تراجع الموارد المائية سيهدد مستقبل الزراعة في الغوطة إذا لم تُنفذ مشاريع مستدامة لإدارة المياه.

وأكد مدير مديرية دعم الإنتاج الزراعي في وزارة الزراعة السورية، الدكتور محمد سيلين، أن البلاد شهدت خلال موسم 2024-2025 أسوأ موجة جفاف منذ نحو أربعة عقود، بعد سلسلة من المواسم القاسية التي تعرضت لها سوريا منذ عام 2000، أبرزها مواسم 2007-2008 و2012-2013 و2013-2014 و2015-2016 و2017-2018 و2021-2022.

 

وأوضح أن الأزمة الحالية لا ترتبط بانخفاض الأمطار وحده، وإنما نتجت أيضًا عن تداخل آثار التغير المناخي مع الدمار الواسع الذي أصاب شبكات الري والبنية التحتية الزراعية، إلى جانب صعوبة الوصول إلى الموارد بسبب سنوات النزاع، وهو ما جعل تعافي القطاع الزراعي أكثر تعقيدًا.

وتكشف أرقام الإنتاج حجم الخسائر، إذ تعرض أكثر من 80% من الأسر العاملة في الزراعة وتربية الثروة الحيوانية لخسائر خلال الموسم الأخير، بينما اقترب إنتاج المحاصيل البعلية من مستويات شبه معدومة في معظم المحافظات، وانخفض إنتاج المحاصيل المروية إلى نحو 50% من مستوياته المعتادة.

 

امتدت تداعيات الأزمة إلى الجانب الاجتماعي، بعدما دفعت موجات الجفاف، إلى جانب الحرب والأوضاع الاقتصادية والأمنية، أعدادًا كبيرة من سكان الأرياف إلى النزوح أو ترك النشاط الزراعي، إثر فقدان مصادر رزقهم وأصولهم الإنتاجية.

 

تعرض القطاع الزراعي خلال سنوات الحرب لخسائر جسيمة شملت تدمير شبكات وقنوات الري، وفقدان الآلات والمعدات الزراعية، وتضرر المخابر والمنشآت الزراعية، فضلًا عن نزوح أعداد كبيرة من المزارعين ومربي الثروة الحيوانية.

 

تعمل الحكومة السورية على الحد من تداعيات الأزمة عبر حزمة من الإجراءات لإدارة الموارد المائية، تشمل ترشيد الاستهلاك، وتقليل الفاقد من شبكات المياه، وتحسين كفاءة التشغيل والصيانة، والتوسع في استخدام تقنيات الري الحديث، وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة في الزراعة.

 

كما تشمل الخطط حماية المياه السطحية والجوفية من الاستنزاف والتلوث، ودراسة مشاريع لتحلية مياه البحر في المناطق الساحلية، إضافة إلى تطوير مشاريع لنقل المياه بين الأحواض بهدف تحسين توزيع الموارد المائية.

 

بالتوازي مع ذلك، أطلقت الحكومة، بالتعاون مع عدد من المنظمات الدولية، برامج لدعم المناطق الزراعية الأكثر تضررًا، تضمنت تقديم مساعدات غذائية، وإنشاء أنظمة إنذار مبكر للجفاف، وتنفيذ برامج للإرشاد الزراعي، وتشجيع زراعة الأصناف المقاومة للجفاف، وإعادة تأهيل شبكات الري، فضلاً عن دعم إنتاج القمح عبر القروض والأسعار التشجيعية.

 

لكن معظم هذه التدخلات، وفق مختصين، لا تزال تركز على الحد من الآثار المباشرة للأزمة، بينما يواصل المزارعون مواجهة ارتفاع أسعار المحروقات، وزيادة تكاليف مستلزمات الإنتاج، ونقص الأعلاف والأدوية البيطرية، إلى جانب استمرار التقلبات المناخية.

 

وتشير المؤشرات إلى أن سوريا تواجه أزمة مركبة تجمع بين الجفاف، وتداعيات الحرب، وتراجع البنية التحتية، الأمر الذي يجعل مستقبل القطاع الزراعي مرهونًا بإصلاحات طويلة الأمد في إدارة المياه، وإعادة تأهيل البنية الزراعية، وضمان استدامة الإنتاج الغذائي خلال السنوات المقبلة.

 


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
Ajouter un commentaire
* Type the result 10 + 10