ارتفاع الأسعار في لبنان يتجاوز تأثير النفط وحده

2026.07.21 - 08:55
Facebook Share
طباعة

 ارتفعت الأسعار في لبنان بنسبة 8.6% منذ نهاية شباط الماضي، مع بداية الحرب الأخيرة وحتى نهاية أيار، وسط تأثيرات اقتصادية متعددة نتجت عن تداخل عاملين رئيسيين، هما ارتفاع أسعار النفط عالميًا وتغير أنماط الطلب بسبب موجات النزوح.

وتختلف انعكاسات هذه الحرب عن أزمات سابقة، إذ تزامنت مع اضطرابات إقليمية أدت إلى خروج نحو 20% من إنتاج النفط العالمي من الأسواق، ما تسبب بصدمة في أسعار الخام التي بقيت لفترة طويلة فوق مستوى 100 دولار للبرميل.

وانعكس ارتفاع أسعار النفط مباشرة على الاقتصاد اللبناني، نظرًا لاعتماد قطاعات واسعة على الوقود، سواء في النقل أو إنتاج الكهرباء أو تشغيل المولدات الخاصة أو ضخ المياه، إضافة إلى تأثيره على كلفة السلع والخدمات المستوردة والمحلية.

 

الطاقة والنقل يقودان موجة الارتفاع

وفق بيانات إدارة الإحصاء المركزي، ارتفعت كلفة النقل بين نهاية شباط ونهاية أيار بنسبة 24%، بينما سجل بند الكهرباء والمياه والغاز ارتفاعًا بنسبة 26.5%.

ولا يقتصر تأثير هذا الارتفاع على ما تدفعه الأسر مباشرة مقابل الوقود أو اشتراكات المولدات، إذ تدخل الطاقة والنقل في كلفة معظم السلع والخدمات.

فارتفاع سعر المازوت، على سبيل المثال، يؤدي إلى زيادة كلفة نقل المواد الغذائية والبضائع بين المناطق، ويرفع كلفة تشغيل المصانع والمتاجر والمطاعم والمستشفيات، إضافة إلى تكاليف التبريد والتخزين وضخ المياه.

وبذلك تنتقل زيادة أسعار الوقود تدريجيًا إلى مختلف القطاعات، حتى تلك التي لا ترتبط بالنفط بشكل مباشر.

 

الأسر تتحمل جزءًا أكبر من أعباء المعيشة

بالنسبة إلى الأسر اللبنانية، أدى ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل إلى تخصيص نسبة أكبر من الدخل لتغطية احتياجات أساسية يصعب الاستغناء عنها.

فمع محدودية خيارات النقل العام وضعف التغذية الكهربائية الرسمية، لا تملك معظم الأسر بدائل أقل كلفة، ما يجعلها مضطرة لتحمل أسعار البنزين والمولدات الخاصة مهما ارتفعت.

ويؤدي ذلك إلى تراجع القدرة الشرائية، إذ تتحول الزيادة في أسعار الطاقة إلى اقتطاع مباشر من دخل الأسر.

ولا تتوزع هذه الأعباء بالتساوي بين جميع الفئات، إذ تتأثر الأسر ذات الدخل المحدود بشكل أكبر بسبب إنفاقها نسبة أعلى من مداخيلها على النقل والطاقة والاحتياجات الأساسية.

وقد تضطر هذه الأسر إلى تقليص إنفاقها على الغذاء أو الصحة أو التعليم أو الملابس من أجل تغطية ارتفاع فواتير الطاقة والتنقل.

 

المؤسسات تواجه ضغوط الكلفة والطلب

على مستوى الشركات والمؤسسات، يضع ارتفاع أسعار الطاقة أصحاب الأعمال أمام خيارين أساسيين: رفع أسعار السلع والخدمات أو تحمل الزيادة على حساب الأرباح.

وفي الحالتين تظهر نتائج اقتصادية سلبية، إذ يؤدي رفع الأسعار إلى تراجع الطلب، بينما يحد انخفاض الأرباح من قدرة المؤسسات على الاستثمار أو زيادة الإنتاج أو التوظيف.

وتعد المؤسسات الصغيرة الأكثر تأثرًا بهذه الظروف، بسبب محدودية قدرتها على امتصاص الصدمات مقارنة بالشركات الكبرى، إضافة إلى ضعف قدرتها على الحصول على الوقود والخدمات بكلفة أقل.

 

النزوح خلق ضغطًا جديدًا على الأسعار

لم تكن صدمة النفط العامل الوحيد وراء ارتفاع الأسعار، إذ أدى النزوح الناتج عن الحرب إلى تغيير توزيع السكان والطلب بين المناطق.

وخلال فترة قصيرة، نشأ طلب إضافي على السكن والطعام والملابس والتجهيزات المنزلية، في وقت لم يكن فيه العرض قادرًا على التوسع بالسرعة نفسها.

وأدى هذا الوضع إلى ارتفاع أسعار بعض القطاعات التي ارتبطت بشكل مباشر بحاجات النازحين.

 

الفنادق والمطاعم تحت ضغط الطلب الجديد

ارتفع بند المطاعم والفنادق بنسبة 9.9% بين شباط وأيار، ويرتبط جزء من هذا الارتفاع بزيادة الطلب على أماكن الإقامة بسبب حاجة النازحين إلى مساكن مؤقتة، خصوصًا في المناطق البعيدة عن العمليات العسكرية.

ومع محدودية عدد الغرف المتاحة مقارنة بحجم الطلب المفاجئ، تمكنت بعض المؤسسات من رفع أسعارها، في ظل غياب خيارات سكنية كافية أمام الأسر التي اضطرت إلى مغادرة منازلها بسرعة.

ولا يعكس هذا الارتفاع انتعاشًا سياحيًا، بل يمثل إنفاقًا اضطراريًا فرضته ظروف الحرب، حيث تدفع الأسر مقابل بديل مؤقت عن مساكن لم تعد قادرة على الوصول إليها.

كما أدى انتقال بعض الأسر إلى أماكن إقامة مؤقتة إلى زيادة الاعتماد على الطعام الجاهز، ما رفع الطلب على المطاعم.

وفي الوقت نفسه، واجهت المطاعم ارتفاعًا في تكاليف التشغيل بسبب زيادة أسعار المازوت والكهرباء والنقل والتبريد والمواد الغذائية، ما جعل القطاع يتأثر بعاملين متزامنين: زيادة الطلب وارتفاع الكلفة.

 

الملابس والأثاث يتأثران بحاجات النازحين

ارتفعت أسعار الألبسة والأحذية بنسبة 9.3% خلال الفترة نفسها، ويمكن تفسير جزء من ذلك بارتفاع الطلب الناتج عن النزوح.

فعدد كبير من الأسر غادر منازله بشكل مفاجئ من دون القدرة على نقل جميع احتياجاته، ما دفعها إلى شراء ملابس وأحذية ومستلزمات شخصية جديدة، خصوصًا للأطفال.

ولا يظهر أثر هذا الإنفاق بالكامل في مؤشر الأسعار، لأن النازح لا يواجه فقط ارتفاع سعر السلعة، بل يضطر أيضًا إلى شراء كميات لم يكن يحتاج إليها قبل الحرب.

وبالتالي، فإن العبء الحقيقي على ميزانية الأسر ينتج من عاملين مجتمعين: ارتفاع الأسعار وظهور حاجات إنفاق جديدة فرضتها ظروف النزوح.

كما تأثرت أسعار الملابس بعوامل أخرى مرتبطة بالاستيراد، إذ يعتمد السوق اللبناني بشكل كبير على الملابس المستوردة، ما يجعلها عرضة لتكاليف الشحن والتأمين والنقل الداخلي.

ومع ارتفاع أسعار النفط، زادت كلفة وصول السلع إلى لبنان وتوزيعها بين المناطق، بينما أدى تجمع النازحين في مناطق محددة إلى زيادة الضغط على مخزون المتاجر.

وسجل بند الأثاث والتجهيزات المنزلية والصيانة ارتفاعًا بنسبة 5.6%، نتيجة زيادة الطلب على الفرش والأدوات المنزلية والأجهزة الصغيرة بسبب انتقال الأسر إلى مساكن جديدة أو تجهيز مساحات إضافية لاستقبال النازحين.

ويتأثر هذا القطاع أيضًا بارتفاع أسعار النفط، لأن جزءًا كبيرًا من المنتجات المنزلية مستورد، كما تعتمد المنتجات المحلية على الطاقة والنقل والمواد الأولية.

 

التضخم خلال الحرب نتج عن عاملين متداخلين

تظهر بيانات الأسعار أن التضخم خلال الحرب لم يكن نتيجة عامل واحد فقط.

فصدمة النفط انتقلت إلى مختلف قطاعات الاقتصاد عبر النقل والطاقة والإنتاج والشحن، ما أدى إلى ارتفاع كلفة توفير السلع والخدمات.

في المقابل، أدى النزوح إلى زيادة الطلب على قطاعات محددة وفي مناطق معينة، خصوصًا السكن والطعام والملابس والتجهيزات المنزلية.

وبذلك رفعت صدمة النفط كلفة العرض، بينما دفع النزوح الطلب إلى مستويات أعلى، وكان اجتماع العاملين سببًا رئيسيًا في تسارع ارتفاع الأسعار.

كما أن تأثير الحرب لم يقتصر على دفع أسعار أعلى للسلع نفسها، بل أجبر الأسر، وخاصة النازحة منها، على إعادة تنظيم حياتها اليومية من خلال استئجار مساكن مؤقتة وشراء احتياجات بديلة والاعتماد بشكل أكبر على النقل والطعام الجاهز.

وهذا يعني أن جزءًا من التضخم خلال الحرب نتج عن نفقات جديدة لم تكن موجودة قبلها، ما أدى إلى استنزاف جزء أكبر من دخل الأسر ومدخراتها لتغطية كلفة النزوح.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
Ajouter un commentaire
* Type the result 10 + 3