تستعد الحكومة السورية لإطلاق أول برنامج لإصدار الصكوك السيادية منذ التغيير السياسي في البلاد، في خطوة تستهدف توفير مصادر تمويل جديدة للموازنة العامة، وتقليل الاعتماد على التمويل التضخمي، بالتوازي مع تطوير سوق الأوراق المالية الحكومية وتعزيز أدوات إدارة السيولة.
جاء هذا التوجه بعد مباحثات أجراها وزير المالية السوري محمد يسر برنية مع وفد من وزارة المالية والبنك المركزي الأردني، تناولت الاستفادة من التجربة الأردنية في إصدار الصكوك السيادية، بما ينسجم مع خطة الوزارة للتوسع التدريجي في إصدارات الأوراق المالية الحكومية.
وتأتي الخطوة بعد إعلان وزارة المالية، قبل ثلاثة أيام، بدء التحضير لإصدار أول صكوك سيادية إلى جانب أذون وسندات الخزينة، في أول تجربة من نوعها في سوريا منذ سقوط نظام الأسد.
أكدت الوزارة أن الهدف من الإصدارات يتمثل في توفير مصادر تمويل حقيقية غير تضخمية للموازنة العامة، وإنشاء مؤشر مرجعي يساعد على تسعير الأصول المالية، بما يمكّن المؤسسات المالية والمصرفية من تطوير خدماتها، ويعزز قدرة مصرف سوريا المركزي على إدارة السيولة وتنفيذ عمليات السوق المفتوحة.
وتعمل الوزارة على إعداد خطة استراتيجية تعتمد التوسع التدريجي في الإصدارات مع زيادة فترات الاستحقاق، بهدف بناء منحنى عائد مرجعي للأوراق المالية الحكومية على المدى المتوسط.
تعد الصكوك السيادية أدوات تمويل حكومية تصدرها الدولة لجمع الأموال من الأفراد والمؤسسات والمستثمرين مقابل عائد محدد، وترتبط عادة بأصول أو منافع أو مشاريع استثمارية مثل الطرق ومحطات الكهرباء والموانئ، كما يمكن استخدامها لتغطية جزء من الاحتياجات التمويلية للموازنة العامة.
وتستهدف الحكومة طرح الصكوك خلال النصف الثاني من عام 2026 في السوق المحلية وبالليرة السورية، بهدف تجنب اللجوء إلى الاقتراض المباشر من مصرف سوريا المركزي لتمويل الإنفاق العام.
كان وزير المالية قد أكد في تصريحات سابقة أن التوجه نحو الأسواق المالية الدولية لن يكون مطروحًا في المرحلة الحالية، وإنما سيأتي بصورة تدريجية بعد بناء جدارة ائتمانية مناسبة للدولة السورية.
تراهن الحكومة على أن تسهم الصكوك في تنويع مصادر التمويل، وتقليل الاعتماد على طباعة النقود أو الاقتراض التقليدي، إلى جانب تعبئة مدخرات الأفراد والمؤسسات المالية، واستقطاب استثمارات من دول الخليج وتركيا، خاصة إذا ارتبطت الإصدارات بمشروعات واضحة في قطاعات الكهرباء والطرق والموانئ، فضلًا عن تنشيط سوق الأوراق المالية السورية.
تجري هذه الخطوة في ظل تسجيل الموازنة العامة لعام 2026 عجزًا يقدر بنحو 1.8 مليار دولار، بما يعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي، إذ تبلغ الإيرادات نحو 8.7 مليار دولار، مقابل نفقات تصل إلى 10.5 مليار دولار.
كما تتزامن مع ارتفاع الإنفاق الحكومي وزيادة الرواتب، وهو ما رفع الاحتياجات التمويلية للدولة، ودفع الحكومة إلى البحث عن أدوات تمويل جديدة، مع توجيه الصكوك نحو مشاريع إنتاجية تتوافق مع مبادئ التمويل الإسلامي، بما يسهم في تنشيط سوق السندات وجذب استثمارات جديدة، خاصة إذا أُتيحت للمستثمرين الأجانب، بما يضمن تدفق العملات الأجنبية ويخفف الضغوط على سعر صرف الليرة.
رغم المزايا المتوقعة، تواجه التجربة تحديات تتعلق بإمكانية سحب السيولة من السوق، وتقلبات سعر الصرف، والضغوط التضخمية، إضافة إلى العقبات التشريعية والتنفيذية وضعف السوق المالية المحلية.
وتبرز أيضًا مخاطر إصدار صكوك تتجاوز قدرة الدولة على السداد، أو طرحها بعملات أجنبية بما يزيد الالتزامات المالية إذا تراجعت قيمة الليرة، إلى جانب غياب تصنيف ائتماني واضح، وصعوبة تقييم الأصول والإيرادات التي ستستند إليها هذه الإصدارات.
ولتقليل هذه المخاطر، تتجه الحكومة إلى اعتماد إصدارات تجريبية محدودة، وربط كل إصدار بمشروع محدد، مع نشر بيانات اكتتاب تفصيلية لتعزيز الشفافية، ووضع سقف للدين العام، وإعطاء الأولوية للإصدار بالليرة السورية، بما يحافظ على الأصول السيادية ويحد من المخاطر المالية مستقبلاً.