يتصدر مضيق باب المندب واجهة التوترات الإقليمية مع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، بعدما لوحت طهران بإمكانية استهداف الممرات البحرية الحيوية عقب إغلاق مضيق هرمز، ما أثار مخاوف من انتقال الصراع إلى أحد أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم، وانعكاس ذلك على أسواق النفط وحركة الملاحة وقناة السويس.
جاءت هذه التطورات بالتزامن مع إعادة الولايات المتحدة فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، وتوسيع عملياتها العسكرية، الأمر الذي دفع إيران إلى توجيه رسائل تحذيرية بشأن الممرات البحرية التي تعتمد عليها واشنطن وحلفاؤها.
وقال الحرس الثوري الإيراني، في بيان نقلته وكالة إرنا، إن جميع ممرات تصدير الطاقة التي تستفيد منها الولايات المتحدة وحلفاؤها قد تصبح أهدافًا محتملة، مؤكدًا أن صادرات الطاقة الإقليمية "إما أن تكون متاحة للجميع أو يُحرم منها الجميع"، في تصريحات رأى مراقبون أنها تحمل
إشارة مباشرة إلى مضيق باب المندب.
تزامن ذلك مع تصاعد التوتر في البحر الأحمر، بعدما حذر مسؤولون في جماعة أنصار الله (الحوثيين) من أن باب المندب سيكون ضمن خيارات الرد إذا استمرت الضربات على اليمن، بينما قال عضو المكتب السياسي للجماعة محمد الفرح إن إغلاق هرمز وباب المندب معًا قد يدفع أسعار النفط إلى نحو 200 دولار للبرميل.
تصاعد التوتر جاء أيضًا بعد إطلاق الحوثيين صواريخ باتجاه السعودية، عقب اتهامهم الرياض باستهداف مطار خاضع لسيطرتهم، في أول مواجهة كبيرة بين الجانبين منذ الهدنة التي استمرت قرابة أربعة أعوام.
وترى وكالة رويترز أن أخطر ما تشهده الأزمة يتمثل في انتقال الصراع من استهداف المواقع العسكرية إلى استخدام الممرات البحرية كورقة ضغط اقتصادية، بما يهدد تجارة الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
ويعد باب المندب من أهم الممرات البحرية عالميًا، إذ يربط البحر الأحمر بخليج عدن، ويشكل البوابة الجنوبية لقناة السويس، كما يمثل الطريق الأقصر للتجارة بين آسيا وأوروبا منذ افتتاح القناة عام 1869.
ويقع المضيق بين اليمن من جهة، وجيبوتي وإريتريا من جهة أخرى، ويبلغ طوله نحو 100 كيلومتر، بينما يصل عرضه عند أضيق نقطة إلى نحو 30 كيلومترًا، ما يجعله إحدى أبرز نقاط الاختناق البحرية في العالم.
وتقسم جزيرة بريم المضيق إلى ممرين، أحدهما غربي تستخدمه السفن التجارية الدولية، وآخر شرقي أقل عمقًا مخصص بصورة رئيسية للملاحة المحلية.
وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن باب المندب يحتل المرتبة الثالثة عالميًا بين أهم نقاط عبور النفط بعد مضيقي ملقا وهرمز، بعدما مر عبره خلال عام 2023 نحو 9.3 ملايين برميل يوميًا من النفط الخام والسوائل النفطية، أي ما يعادل نحو 12% من تجارة النفط المنقولة بحرًا.
كما يشكل المضيق معبرًا رئيسيًا للغاز الطبيعي المسال والمنتجات البترولية وسفن الحاويات، ما يمنحه أهمية استراتيجية للاقتصاد العالمي.
لكن هجمات الحوثيين على السفن التجارية خلال عام 2024 أدت إلى انخفاض الكميات العابرة عبر المضيق إلى نحو 4.1 ملايين برميل يوميًا، مع تراجع التدفقات عبر قناة السويس وخط أنابيب سوميد من 8.8 ملايين إلى 4.8 ملايين برميل يوميًا.
وتضع أي تهديدات جديدة لقناة السويس في دائرة التأثير المباشر، بعدما اضطرت شركات شحن عالمية خلال أزمة البحر الأحمر إلى تحويل مسارات سفنها عبر رأس الرجاء الصالح، وهو ما زاد زمن الرحلات البحرية بين آسيا وأوروبا بما يتراوح بين 10 و15 يومًا، ورفع تكاليف الوقود والتأمين والشحن.
وامتدت تداعيات تلك الأزمة إلى سلاسل الإمداد العالمية، مع ارتفاع تكاليف النقل وتأخر وصول البضائع إلى الأسواق الأوروبية، فضلًا عن انخفاض إيرادات قناة السويس نتيجة تراجع أعداد السفن العابرة.
ويرى محللون أن تزامن التهديدات في مضيقي هرمز وباب المندب قد يمثل أكبر اختبار للتجارة البحرية العالمية منذ جائحة كورونا، نظرًا لاعتماد جزء كبير من حركة التجارة والطاقة على هذين الممرين.
وتستند المخاوف الحالية إلى التجربة السابقة التي أثبتت خلالها هجمات الحوثيين أن ارتفاع المخاطر الأمنية وحده يكفي لدفع شركات الملاحة إلى تغيير مساراتها دون الحاجة إلى إغلاق المضيق بالكامل.
وأشار خبراء إلى أن الظروف الحالية تختلف عن أزمة البحر الأحمر السابقة، بسبب تزامنها مع التصعيد الأميركي الإيراني، ما يزيد احتمالات اتساع رقعة التوتر.
ونقلت رويترز عن المحاضر في كلية كينغز كوليدج في لندن أندرياس كريغ قوله إن باب المندب يمثل "الخيار النووي الثاني" بالنسبة لإيران بعد مضيق هرمز، لكنه رجح أن أي محاولة لإغلاقه ستواجه برد عسكري واسع تقوده الولايات المتحدة وشركاؤها.
كما نقلت الوكالة عن رئيس مركز الخليج للأبحاث عبد العزيز الصقر أن الحوثيين يمتلكون القدرة على تعطيل الملاحة، لكن اتخاذ خطوة بهذا الحجم يبقى مرتبطًا بالقرار الإيراني، محذرًا من أن استهداف السفن التجارية قد يدفع واشنطن إلى توسيع عملياتها العسكرية.
ويرى المفاوض الأميركي السابق دينيس روس أن الخطر الأكبر لا يكمن في اندلاع حرب شاملة، بل في استمرار سياسة التصعيد التدريجي، حيث يواصل كل طرف رفع مستوى الضغط دون الوصول إلى مواجهة مباشرة، مع احتمال أن تدفع الضغوط الاقتصادية المتزايدة جميع الأطراف إلى العودة إلى طاولة المفاوضات.