دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة من التصعيد بعد انهيار مذكرة التفاهم التي وقعها الطرفان إلكترونيا وبشكل منفصل في 17 يونيو، إذ أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في 8 يوليو انتهاء العمل بالمذكرة، ملوحا بشن ضربات عسكرية واسعة ضد إيران، في خطوة أنهت فترة قصيرة من التهدئة لم تتجاوز ثلاثة أسابيع.
وبعد إعلان انتهاء التفاهم، نفذت الولايات المتحدة سلسلة ضربات استهدفت مواقع إيرانية امتدت من المناطق الجنوبية القريبة من مضيق هرمز وصولا إلى شمال البلاد. وبررت واشنطن عملياتها باتهام طهران بتنفيذ هجمات ضد سفن مدنية وناقلات نفط أثناء عبورها مضيق هرمز، معتبرة أن تلك الهجمات تمثل خرقا مباشرا لبنود التفاهم.
في المقابل، رفضت إيران الاتهامات الأمريكية، وأكدت وزارة خارجيتها أن واشنطن أنهت التفاهم قبل انتهاء المهلة المحددة لتنفيذ الالتزامات المتعلقة بأمن الملاحة في مضيق هرمز، متهمة الإدارة الأمريكية بعدم الالتزام بما تم الاتفاق عليه، في حين أعلن الحرس الثوري الإيراني إغلاق المضيق حتى إشعار آخر.
تفاهم مؤقت لم يصمد
شهد مطلع يوليو جولة مفاوضات غير مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في الدوحة بوساطة قطرية وباكستانية، وأسفرت عن تفاهمات أولية تضمنت تهدئة عسكرية مؤقتة لمدة أسبوع، بهدف إتاحة المجال أمام الولايات المتحدة للاحتفال بالذكرى الـ250 لاستقلالها، بينما كانت إيران تستعد لإقامة مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي.
وخلال تلك الفترة، كثفت القوات الأمريكية عمليات الاستطلاع والتزود بالوقود، حيث نفذت عشرات الطلعات الجوية فوق المنطقة بين 30 يونيو و2 يوليو، بينما حذرت إيران من استمرار تحليق الطائرات الأمريكية فوق مضيق هرمز، مؤكدة أنها سترد على أي خرق للمسارات أو الإجراءات التي فرضتها داخل الممر البحري.
وفي الثاني من يوليو أعلنت وسائل إعلام إيرانية جنوح سفينة حاويات أجنبية داخل مضيق هرمز، موضحة أن السفينة خرجت عن المسار الذي حددته السلطات الإيرانية قبل أن تعلق في منطقة ضحلة، الأمر الذي أعاد الجدل حول أمن الملاحة داخل المضيق.
وفي الوقت نفسه، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إن واشنطن منحت طهران مهلة أسبوع إضافية قبل استئناف المفاوضات مراعاة لمراسم تشييع خامنئي، مؤكدا أن إيران لا تزال ترغب في التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة.
خلافات حول إدارة مضيق هرمز
رغم استمرار وقف إطلاق النار المؤقت، برزت خلافات بين الجانبين حول عدة ملفات، أبرزها آلية إدارة مضيق هرمز، ومستقبل البرنامج النووي الإيراني، وملف وقف إطلاق النار في لبنان، وهي قضايا ألقت بظلالها على فرص استمرار التهدئة.
وخلال تلك الفترة، حذرت إيران بريطانيا وفرنسا من إرسال قوات عسكرية إلى مضيق هرمز، بعدما أعلنت الدولتان استعدادهما للمشاركة في قوة متعددة الجنسيات لحماية الملاحة البحرية.
كما شهدت حركة الملاحة انخفاضا ملحوظا، إذ تراجعت أعداد السفن العابرة عبر المسار العماني، فيما غيرت بعض السفن مساراتها أو عادت أدراجها، بينما استخدمت سفن أخرى المسار الإيراني رغم التحذيرات الإيرانية من المرور خارج المسارات التي توافق عليها طهران.
استهداف ناقلات النفط
في السابع من يوليو تعرضت ثلاث ناقلات غاز ونفط لهجمات بالقرب من سواحل سلطنة عمان والإمارات داخل مضيق هرمز، واتهمت الولايات المتحدة إيران بالوقوف وراء تلك الهجمات، ما أدى إلى رفع مستوى التهديد الملاحي بصورة كبيرة.
وردت واشنطن بإلغاء الترخيص العام الذي كانت قد منحته سابقا للسماح ببيع النفط الإيراني، معلنة إعادة القيود على صادرات النفط الإيرانية، مع التأكيد أن الهجمات على السفن لن تمر دون رد.
وفي المقابل، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن أي مفاوضات جديدة لن تبدأ في ظل استمرار التهديدات الأمريكية، وذلك بعد تصريحات ترمب التي هدد فيها باتخاذ إجراءات عسكرية إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق.
وبعد ساعات فقط، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية تنفيذ ضربات استهدفت قواعد ومنشآت بحرية إيرانية في مناطق سيريك وقشم ومحافظة بوشهر، بينما استمرت بعض السفن في عبور المضيق عبر المسار العماني مع إغلاق أجهزة التعريف الآلي، في وقت تراجعت فيه حركة ناقلات النفط والغاز بشكل واضح، بالتزامن مع زيادة النشاط العسكري الأمريكي فوق الخليج وخليج عمان.
تبادل الضربات يتوسع
واصل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تهديداته خلال مؤتمر صحفي عقده في أنقرة عقب قمة حلف شمال الأطلسي، معلنا استعداد الولايات المتحدة لاستئناف العمليات العسكرية ردا على الهجمات التي استهدفت السفن في مضيق هرمز.
كما كشف ترمب أن إيران وضعته على قائمة الاغتيالات، بينما تحدثت وسائل إعلام أمريكية عن معلومات استخباراتية قدمتها إسرائيل لواشنطن تشير إلى وجود خطة إيرانية لاستهداف الرئيس الأمريكي.
وفي فجر اليوم التالي، أعلنت الولايات المتحدة تنفيذ موجة جديدة من الضربات شملت نحو 90 هدفا داخل إيران، فيما أعلن الحرس الثوري الإيراني تنفيذ هجمات استهدفت قواعد ومنشآت عسكرية أمريكية في المنطقة، بينما أعلنت الكويت والبحرين والأردن تعرضها لهجمات إيرانية.
وأدى التصعيد العسكري إلى توقف شبه كامل لحركة الملاحة في مضيق هرمز، وسط استمرار تبادل التهديدات بين واشنطن وطهران، في وقت أكد فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن المواجهة مع إيران لم تنته، فيما أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس استعداد بلاده لخوض جولة قتال جديدة إذا تطلب الأمر.
ورغم التصعيد العسكري، استمرت الاتصالات الفنية بين الولايات المتحدة وإيران، بينما واصل الوسطاء الإقليميون جهودهم لمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
خلاف حول بند حاسم
برز الخلاف بصورة أكبر حول أحد البنود الأساسية في مذكرة التفاهم، إذ ينص على التزام إيران بإعادة فتح مضيق هرمز وضمان سلامة الملاحة وإزالة العوائق العسكرية، قبل التشاور مع سلطنة عمان والدول الساحلية بشأن الإدارة المستقبلية للمضيق وفقا للقانون الدولي.
ورأت إدارة ترمب أن هذا البند يمنحها الأساس لإعادة فتح المضيق واستئناف حركة التجارة العالمية، بينما أصرت طهران على تفسير يمنحها الدور الرئيسي في إدارة الممر البحري، وهو ما عمق الخلاف بين الطرفين.
وفي الوقت ذاته، أعلن ترمب استعداده لاستئناف المفاوضات، لكنه أكد انتهاء وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في يونيو، بينما نفت وزارة الخارجية الإيرانية تقديم أي طلب لإجراء محادثات جديدة مع الولايات المتحدة.
كما فرضت وزارة الخزانة الأمريكية حزمة جديدة من العقوبات استهدفت ممولا رئيسيا للمرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، إلى جانب 13 فردا وكيانا آخرين.
إغلاق المضيق وفرض رسوم جديدة
في 12 يوليو أعلن الحرس الثوري الإيراني إغلاق مضيق هرمز بالكامل حتى إشعار آخر، فيما أكد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن مرحلة الصفقات الأحادية انتهت، مطالبا واشنطن بالالتزام بتعهداتها أو تحمل تبعات ذلك.
وبالتزامن مع ذلك، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية تنفيذ ضربات جديدة استهدفت نحو 140 موقعا عسكريا داخل إيران، بينما رد الحرس الثوري الإيراني بقصف قواعد ومنشآت أمريكية في المنطقة، لتتواصل المواجهة العسكرية بين الجانبين.
ومع استمرار التصعيد، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إعادة فرض الحصار البحري على إيران، مؤكدا أن الولايات المتحدة ستتولى حماية الملاحة في مضيق هرمز، مع فرض رسوم تعويضية بنسبة 20 بالمئة على جميع الشحنات العابرة.
في المقابل، شددت طهران على تمسكها بإدارة المضيق، وقال المستشار العسكري للمرشد الإيراني محسن رضائي إن مضيق هرمز يمثل أحد أهم عناصر القوة الاستراتيجية الإيرانية، مؤكدا أن بلاده ستواصل الدفاع عنه في مواجهة أي تحركات خارجية.