الانفتاح الفرنسي على سوريا الجديدة ومصالح مشتركة بعد الأسد

2026.07.12 - 17:29
Facebook Share
طباعة

 أثارت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق يومي 6 و7 يوليو الجاري تساؤلات حول أهدافها السياسية والاقتصادية، ودلالاتها في ظل التحولات التي تشهدها سوريا بعد سقوط نظام الأسد أواخر عام 2024.

وتعد الزيارة الأولى لرئيس دولة غربية إلى سوريا منذ سقوط النظام السابق، كما أنها أول زيارة لرئيس فرنسي إلى دمشق منذ زيارة الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي عام 2009، ما منحها أهمية سياسية خاصة على مستوى العلاقات بين البلدين.

في المقابل، تبرز تساؤلات حول دوافع دمشق نحو تطوير علاقتها مع باريس، وما يمكن أن تحققه سوريا من مكاسب في مرحلة انتقالية تسعى خلالها إلى إعادة بناء علاقاتها الدولية وجذب الاستثمارات وإنهاء حالة العزلة السياسية.

 

أهداف فرنسا من تعزيز حضورها في سوريا

وصفت وسائل إعلام فرنسية الزيارة بأنها ذات طابع سياسي واقتصادي، معتبرة أنها محطة مهمة في مسار العلاقات مع دمشق، رغم وجود مخاوف لدى بعض الأوساط الفرنسية بشأن طبيعة المرحلة الجديدة في سوريا ومستقبل العلاقة مع القوى المحلية المختلفة، بما فيها الأكراد.

وأكد ماكرون استعداد بلاده لبناء الثقة مع سوريا في مجالات متعددة، بينها الطاقة والقطاع المصرفي، مشيراً إلى أن التحديات التي تواجه دمشق لا تمنع وجود فرص للتعاون بين الطرفين.

وقال الرئيس الفرنسي إن الزيارة تعكس التزام بلاده بدعم الشعب السوري من أجل بناء سوريا ذات سيادة وموحدة ومتعددة الأطياف، تنعم بعلاقات مستقرة مع محيطها.

ويرى الباحث السوري صبحي فرنجية أن فرنسا تعتبر التحول السياسي في سوريا تطوراً مهماً على صعيد العلاقات الدولية، خصوصاً بعد انتقال دمشق بعيداً عن المحور الإيراني واتجاهها نحو الانفتاح على الدول العربية والغربية.

وأضاف أن باريس تسعى إلى بناء علاقة طويلة الأمد مع سوريا الجديدة، مستفيدة من تاريخها في مجالات الاستثمار والطاقة والبنية التحتية، مشيراً إلى أن الوفد المرافق لماكرون يعكس اهتماماً فرنسياً بتطوير التعاون الاقتصادي والسياسي.

من جهته، يرى الباحث في العلاقات الدولية محمد اليمني أن فرنسا تحاول استعادة دورها التقليدي في الشرق الأوسط بعد تراجع نفوذها خلال السنوات الماضية لصالح قوى دولية وإقليمية أخرى.

وأوضح أن باريس تدرك أن أي ترتيبات مستقبلية تخص سوريا تحتاج إلى حضور أوروبي، ولذلك تسعى إلى العودة إلى المشهد السوري عبر التعاون السياسي والأمني.

وأشار إلى أن الملف الأمني يمثل أحد دوافع الاهتمام الفرنسي بسوريا، خاصة فيما يتعلق بمكافحة التنظيمات المسلحة والشبكات العابرة للحدود، باعتبارها قضايا تؤثر بشكل مباشر على الأمن الأوروبي.

كما لفت إلى أن مرحلة إعادة الإعمار في سوريا قد تفتح فرصاً اقتصادية كبيرة أمام الشركات الأوروبية، وأن التحرك المبكر يمنح فرنسا موقعاً أفضل للمشاركة في المشاريع المستقبلية وتعزيز دورها داخل الاتحاد الأوروبي.

 

مكاسب سورية من التقارب مع باريس

أكد الرئيس السوري أحمد الشرع أن اللقاء مع ماكرون يمثل محطة مهمة في العلاقات بين البلدين، مشيراً إلى أن الزيارة تتوج مساراً من العمل المشترك، وتفتح المجال أمام شراكة تقوم على المصالح المتبادلة.

وقال الشرع إن سوريا تسعى إلى بناء علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، وإنها تعمل على إقامة شراكات تخدم الشعب السوري، موضحاً أن المحادثات مع الجانب الفرنسي أسفرت عن اتفاقيات وعقود مع شركات فرنسية كبرى.

ويرى محمد اليمني أن زيارة ماكرون تمنح دمشق دعماً سياسياً في مرحلة الانفتاح الدولي، وقد تساعد في توسيع علاقاتها مع دول أوروبية أخرى، إضافة إلى تحسين فرص التعاون الاقتصادي والاستثماري.

وأضاف أن التقارب السوري الفرنسي يمكن أن يعزز التعاون الأمني والاستخباراتي، خصوصاً في ملفات مكافحة الإرهاب وضبط الحدود، كما قد يشجع دولاً أوروبية أخرى على إعادة تقييم سياساتها تجاه دمشق.

أما صبحي فرنجية، فيعتبر أن دور فرنسا وألمانيا داخل الاتحاد الأوروبي يجعل انخراطهما في الملف السوري عاملاً مؤثراً في دفع دول أوروبية أخرى نحو بناء علاقات جديدة مع دمشق.

وأشار إلى أن تطوير العلاقات مع أوروبا يتوافق مع توجه سوري جديد يقوم على الانفتاح السياسي وتشجيع الاستثمار، بما قد يساعد في تسريع التعافي الاقتصادي بعد سنوات الحرب.

 

التأكيد الفرنسي على وحدة الأراضي السورية

شدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على التزام بلاده بسوريا موحدة وذات سيادة، مؤكداً أن بناء دولة القانون يمثل أساس قيام سوريا الجديدة.

وطالب ماكرون بضرورة بسط الدولة السورية سيطرتها على كامل أراضيها، وانسحاب جميع القوات التي تحتل أجزاء من البلاد، مؤكداً دعم بلاده لوحدة الأراضي السورية.

ويرى محمد اليمني أن هذا الموقف يمنح دمشق دعماً سياسياً في المحافل الدولية، ويمكن أن يساعد في تعزيز المطالب المتعلقة بالحفاظ على وحدة البلاد واستعادة السيطرة على المناطق الخارجة عن إدارة الدولة عبر الوسائل السياسية.

لكنه أشار إلى أن تأثير الموقف الفرنسي يبقى مرتبطاً بعوامل دولية وإقليمية، منها مواقف القوى الكبرى والتعقيدات العسكرية ووجود قوات أجنبية في بعض المناطق.

بدوره، يرى صبحي فرنجية أن المجتمع الدولي ينظر إلى سوريا كدولة واحدة، لأن تقسيمها لا يخدم المصالح الدولية المرتبطة بالأمن والطاقة والتجارة، ولذلك جاء موقف ماكرون منسجماً مع هذه الرؤية.

 

الدور الفرنسي في مواجهة الانتهاكات الإسرائيلية

خلال اللقاء مع ماكرون، طالب الرئيس السوري بضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في جنوب سوريا، ووقف الانتهاكات التي قال إنها تهدد استقرار المنطقة.

وأوضح الشرع أن المباحثات مع الجانب الفرنسي تناولت ضرورة العودة إلى اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، وانسحاب إسرائيل من المناطق التي دخلتها بعد 8 ديسمبر 2024.

وتطرح هذه المطالب تساؤلات حول قدرة باريس على التأثير في هذا الملف، ومدى إمكانية استخدامها لعلاقاتها الدولية للضغط من أجل تغيير الوضع القائم.

ويرى صبحي فرنجية أن فرنسا يمكن أن تؤدي دوراً دبلوماسياً إلى جانب الولايات المتحدة، مستفيدة من علاقاتها مع إسرائيل، وأن زيادة عدد الدول الداعمة لوحدة سوريا قد ترفع مستوى الضغط السياسي لإنهاء التوترات في الجنوب السوري.

أما محمد اليمني، فيعتقد أن باريس تستطيع دعم تطبيق قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بسيادة سوريا، والمطالبة بوقف الانتهاكات، وتعزيز دور المؤسسات الدولية في مراقبة الأوضاع.

لكنه أوضح أن قدرة فرنسا على فرض انسحاب إسرائيلي تبقى محدودة، نظراً لارتباط الملف بتوازنات دولية معقدة، خصوصاً الموقف الأمريكي والحسابات الأمنية الإسرائيلية والتوترات الإقليمية.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
Ajouter un commentaire
* Type the result 2 + 1

Lire aussi