تتصدر مسألة التفتيش والرقابة على البرنامج النووي الإيراني قائمة الملفات الخلافية بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت يشدد فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على ضرورة موافقة طهران على إجراءات تفتيش واسعة لضمان ما وصفه بالشفافية النووية على المدى الطويل.
في المقابل، تتمسك إيران بموقفها القائم على أن أي عمليات تفتيش أو رقابة على منشآتها النووية يجب أن تكون جزءًا من الاتفاق النهائي الذي يجري التفاوض بشأنه بين الطرفين، وليس إجراءً منفصلًا أو سابقًا للتوصل إلى تفاهم شامل.
ويأتي الخلاف حول آليات الرقابة في ظل عودة ملف الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى واجهة المفاوضات، باعتبارها الجهة الدولية المعنية بمتابعة الأنشطة النووية الإيرانية والتحقق من طبيعتها.
الوكالة الذرية بين مطالب التفتيش والرفض الإيراني
قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي إن الوكالة ستجري عمليات تفتيش للمنشآت النووية الإيرانية، مشددًا على أن تسريع تنفيذ هذه الإجراءات يعد أمرًا ضروريًا، موضحًا أن العمل على وضع الآليات المناسبة لا يزال مستمرًا.
في المقابل، عبّر مساعد وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي عن موقف مختلف، مؤكدًا أن بلاده لا تناقش موضوع التفتيش إلا ضمن إطار الاتفاق النهائي بين واشنطن وطهران.
وقال غريب آبادي إن الوصول إلى المواد النووية أو المنشآت التي تعرضت للقصف ليس مطروحًا في الوقت الحالي، مشيرًا إلى أن هذه الملفات ستتم معالجتها فقط ضمن التفاهم النهائي الذي قد يتم التوصل إليه بين الطرفين.
تاريخ طويل من التوتر بين إيران والوكالة الدولية
تحول ملف التفتيش والرقابة خلال العقود الماضية إلى أحد أبرز نقاط الخلاف في المفاوضات النووية بين إيران والدول الغربية، إذ تأثرت العلاقة بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية بعوامل سياسية وتقنية متشابكة.
ويرتبط مسار العلاقة بين الجانبين بمستوى التعاون من جهة، وبالشكوك المتبادلة حول مدى الالتزام والشفافية من جهة أخرى.
وبدأت مرحلة التوتر الحالية بعد الكشف عن منشأتي نطنز وآراك النوويتين عام 2002، ما دفع المجتمع الدولي إلى متابعة البرنامج النووي الإيراني بصورة أكبر.
وفي عام 2003، وافقت إيران على عمليات التفتيش وبدأت مسارًا تفاوضيًا مع الأطراف الدولية، إلا أن هذا المسار وصل عام 2005 إلى طريق مسدود بعد إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية عدم امتثال طهران لبعض متطلبات الرقابة.
وفي عام 2006، أُحيل الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي، وفرضت على طهران عقوبات دولية مشددة، وهي العقوبات التي تطالب إيران حاليًا بإلغائها ضمن أي اتفاق نهائي مع الولايات المتحدة.
الاتفاق النووي وسنوات الخلاف المتجدد
شهد عام 2013 تقدمًا في المسار التفاوضي بين إيران والقوى الدولية، مع ارتفاع مستوى التعاون بين طهران والوكالة بالتزامن مع استمرار المحادثات السياسية.
وفي عام 2015، توصلت إيران والقوى الكبرى إلى الاتفاق النووي، الذي منح الوكالة الدولية للطاقة الذرية صلاحيات أوسع للوصول إلى المواقع والمنشآت النووية الإيرانية ومراقبة الأنشطة المرتبطة بها.
لكن انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من الاتفاق عام 2018 أدى إلى تراجع مستوى التعاون، وبدأت العلاقة بين إيران والوكالة تدخل مرحلة جديدة من التوتر.
وفي عام 2021، أوقفت إيران رسميًا تطبيق البروتوكول الإضافي، الذي كان يسمح بعمليات تفتيش أسرع وأوسع وأكثر مرونة، بما في ذلك عمليات تفتيش مفاجئة.
وخلال السنوات التالية استمر الخلاف بين الطرفين، إلى أن أصدرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية عام 2025 تقريرًا اتهمت فيه إيران بعدم التعاون الكامل، ما أثار مخاوف بشأن زيادة مخزون اليورانيوم عالي التخصيب.
ورفضت طهران التقرير، واعتبرته مسيسًا، كما اتهمت الوكالة بتسريب معلومات حساسة عن مواقعها النووية، معتبرة أن ذلك ساهم في تمهيد الطريق أمام الهجمات الإسرائيلية والأمريكية التي استهدفت منشآت داخل إيران.
دور الوكالة الذرية في أي اتفاق جديد
يرتبط مستقبل الدور الرقابي للوكالة الدولية للطاقة الذرية بأي اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران، إذ تضمنت مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية بنودًا تتعلق بمنع تطوير أو امتلاك أسلحة نووية.
وتنص الفقرة الثامنة من المذكرة على التزام إيران بعدم السعي إلى امتلاك أو تطوير سلاح نووي، إضافة إلى معالجة ملف مخزون اليورانيوم المخصب عبر آلية يتم الاتفاق عليها وتطبيقها تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
كما تشير الفقرة الثانية عشرة من المذكرة إلى ضرورة اتفاق الطرفين على إنشاء آلية لمتابعة تنفيذ التفاهم وضمان الالتزام ببنوده، وهو ما يجعل الوكالة طرفًا أساسيًا في جانب التحقق من التنفيذ.
حدود التعاون الإيراني مع الوكالة
تعد إيران دولة موقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وهو ما يفرض عليها التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلا أن طبيعة هذا التعاون وحدوده ترتبط أيضًا بالقرارات الداخلية الإيرانية والظروف السياسية والأمنية المحيطة.
وتؤكد طهران أن مستوى تعاونها مع الوكالة يمكن أن يتغير وفق الظروف، خصوصًا خلال فترات التصعيد العسكري أو التوترات الأمنية.
كما تبقى آليات التعاون مرتبطة بالمهلة الزمنية البالغة 60 يومًا التي تضمنتها مذكرة التفاهم، والتي تهدف إلى بحث الملفات النووية العالقة بين الجانبين.
وكانت واشنطن وطهران أعلنتا في 18 يونيو/حزيران التوصل إلى مذكرة تفاهم بعد جهود وساطة إقليمية ودولية، بهدف وقف العمليات العسكرية التي اندلعت في أواخر فبراير/شباط، وخفض مستوى التوتر، وفتح المجال أمام معالجة الملفات الخلافية بين الطرفين.