دخلت العلاقات الأمريكية الإيرانية مرحلة جديدة من التوتر، بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتهاء وقف إطلاق النار بين البلدين، بالتزامن مع موافقته على استكمال المسار التفاوضي مع طهران، في تطور يعكس استمرار الاتصالات السياسية رغم التصعيد العسكري والخلافات بشأن تنفيذ بنود مذكرة التفاهم.
وقال ترامب، في منشور عبر منصة "تروث سوشيال"، إن إيران طلبت مواصلة المحادثات مع الولايات المتحدة، مضيفًا أن واشنطن وافقت على ذلك، لكنها أبلغت الجانب الإيراني "بعبارات لا لبس فيها" أن وقف إطلاق النار، الذي تم التوصل إليه في يونيو/حزيران الماضي، أصبح منتهيًا.
في المقابل، نفت وزارة الخارجية الإيرانية تقديم أي طلب لإجراء مفاوضات مع الولايات المتحدة، مؤكدة أنها لم ترفض مبادرة تقدم بها وسيط إقليمي لعقد لقاءات تتناول آخر المستجدات.
وأوضحت الوزارة أن وفدًا قطريًا زار مدينة مشهد، واطلع على المواقف الإيرانية، معتبرة أن الولايات المتحدة دأبت على نقض تعهداتها، مشيرة إلى أن واشنطن أخلّت بعدد من بنود مذكرة التفاهم بعد مرور 22 يومًا فقط على توقيعها.
رغم ذلك، نقلت منصة "إم إس ناو" الأمريكية عن مسؤول حكومي إيراني أن الوفد القطري غادر البلاد بعد مباحثات وصفها بالإيجابية بشأن خفض التصعيد.
بالتزامن مع ذلك، أعلنت وكالة الأنباء الإيرانية أن وزير الخارجية عباس عراقجي يتوجه إلى سلطنة عُمان لإجراء مباحثات تتعلق بمضيق هرمز، وبحث آليات ضمان العبور الآمن للسفن وفق مذكرة التفاهم الموقعة بين طهران وواشنطن.
أكدت الخارجية الإيرانية أن زيارة عراقجي إلى مسقط تمثل استكمالًا للمشاورات التي انطلقت خلال الشهرين الماضيين مع سلطنة عُمان حول أمن الملاحة في المضيق.
رغم استمرار الاتصالات، لم تظهر حتى الآن مؤشرات واضحة على إحراز تقدم في الملفات العالقة، إذ قال المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك إن المنظمة تتابع التقارير المتعلقة بالمحادثات وتأمل أن تفضي إلى تهدئة التوتر.
من ناحية أخرى، نقل موقع أكسيوس عن مسؤولين أمريكيين أن أعضاء في فريق التفاوض الإيراني أبلغوا واشنطن بأن جهات متشددة داخل إيران قررت استهداف السفن التجارية لاستعادة أوراق ضغط خلال العملية التفاوضية.
أشار الموقع أيضًا إلى أن الإدارة الأمريكية تضغط من أجل صدور بيان إيراني عقب اجتماع عُمان يتضمن إقرارًا بالأخطاء التي صاحبت إطلاق النار على السفن، بينما لم تصدر طهران أي تعليق رسمي بشأن هذه المعلومات.
التطورات الأخيرة في مضيق هرمز أعادت طرح تساؤلات حول مستقبل المفاوضات، خاصة فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، بعدما أثرت الهجمات الأخيرة في حركة الملاحة البحرية رغم توقيع مذكرة التفاهم.
قبل موجة التصعيد الأخيرة، ارتفع عدد الناقلات العابرة للمضيق إلى نحو 40 سفينة يوميًا، وهو أعلى مستوى منذ اندلاع الحرب، لكنه ظل أقل من المعدلات السابقة التي تراوحت بين 125 و140 رحلة يوميًا قبل اندلاع الصراع في فبراير/شباط الماضي.
تطالب واشنطن بتعهد إيراني واضح بوقف الهجمات على السفن التجارية، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، وفتح جميع المسارات البحرية في الخليج أمام حركة الشحن دون رسوم.
كما أفاد أكسيوس بأن مسؤولين أمريكيين يرون أن استمرار الغموض بشأن موقف إيران من أمن الملاحة يثير شكوكًا حول استعدادها للالتزام بأي اتفاق نووي مستقبلي.
وأوضح مسؤول أمريكي أن ترامب منح فريق التفاوض فرصة محدودة للتوصل إلى اتفاق، مؤكدًا أن الإدارة تمتلك خيارات بديلة تشمل أدوات عسكرية واقتصادية إذا تعثرت الجهود السياسية.
يتمثل أحد المطالب الأمريكية الرئيسية في تسليم إيران ما لديها من مواد نووية، مع التلويح بإجراءات إضافية إذا امتنعت عن ذلك.
تعتقد الولايات المتحدة أن إيران تمتلك أكثر من 900 رطل من اليورانيوم عالي التخصيب، وهي المادة التي يصفها ترامب وعدد من المسؤولين الأمريكيين بـ"الغبار النووي".
في المقابل، ركزت الخارجية الإيرانية على اتهام الولايات المتحدة بخرق مذكرة التفاهم، معتبرة أن الهجمات التي وقعت يومي الأربعاء والخميس خالفت البندين 1 و2 من الاتفاق، كما رأت أن إلغاء قرار رفع العقوبات عن بيع النفط الإيراني يمثل مخالفة إضافية.
وأضافت أن العقوبات الأمريكية الجديدة المفروضة على أفراد وكيانات إيرانية تخالف البند التاسع من المذكرة، مؤكدة أن طهران تعتمد مبدأ "الالتزام مقابل الالتزام"، ولن تنفذ تعهداتها إذا لم يلتزم الطرف المقابل بما تعهد به.
بدوره، أكد وزير الخارجية عباس عراقجي عبر منصة "إكس" أن بلاده أوفت بالتزاماتها، واتهم وزير الخزانة الأمريكي بانتهاك الفقرة التاسعة من مذكرة التفاهم، معتبرًا أن الالتزام المتبادل يمثل السبيل الوحيد للحفاظ على أي تفاهم.
أعلنت الرئاسة الإيرانية أن الرئيس مسعود بزشكيان بحث، خلال اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، آخر المستجدات الأمنية والسياسية، مؤكدًا أهمية الحفاظ على نتائج الجهود السياسية، ومتهمًا إسرائيل بإثارة التوتر، بينما اعتبر أن الولايات المتحدة تعرقل تثبيت الاستقرار في المنطقة.
من جانبه، جدد شهباز شريف استعداد باكستان لمواصلة جهود الوساطة، داعيًا إلى ضبط النفس وإعطاء الأولوية للحوار والدبلوماسية.
في السياق نفسه، شدد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف على أن بلاده لم تسعَ إلى الحرب، لكنها مستعدة للدفاع عن نفسها إذا أخلت واشنطن بالتفاهمات، كاشفًا أنه أبلغ نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس خلال المباحثات بعدم وجود ثقة لدى طهران في الجانب الأمريكي.
ميدانيًا، شهدت المنطقة تصعيدًا جديدًا بعد تنفيذ إيران هجمات استهدفت، بحسب إعلانها، بنى تحتية عسكرية أمريكية في دول الخليج، ردًا على ضربات أمريكية طالت أقاليم ساحلية في جنوب وشرق إيران.
أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) تنفيذ عمليات جوية ليلية انطلاقًا من حاملة الطائرات "جورج دبليو بوش".
في الوقت نفسه، نقلت شبكة سي إن إن عن مسؤول أمريكي أن حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" الموجودة في بحر العرب رفعت مستوى الجاهزية القتالية تحسبًا لأي تطورات محتملة.
أشار المسؤول إلى أن واشنطن تعتمد تنفيذ ضربات متقطعة تتخللها فترات توقف، بهدف تجنب توسيع دائرة المواجهة، مع الإبقاء على نافذة مفتوحة أمام الحلول الدبلوماسية.
اختتم موقع أكسيوس بالإشارة إلى توقع عقد جولة جديدة من المفاوضات الأمريكية الإيرانية الأسبوع المقبل، مع ترجيحات باستضافة سويسرا للاجتماعات، ضمن جهود دولية لاحتواء الأزمة وإحياء المسار السياسي.