تشهد العاصمة السعودية الرياض تحركات سياسية مكثفة بين قيادة الشرعية اليمنية وعدد من القوى والأحزاب والشخصيات السياسية، في محاولة لإعادة ترتيب المشهد الداخلي بعد أكثر من عشر سنوات من الانقسامات والصراعات التي أثرت في أداء مؤسسات الدولة، وأضعفت قدرتها على إدارة المناطق المحررة ومواجهة جماعة الحوثيين.
وتشير مصادر حكومية وسياسية يمنية إلى أن المشاورات الجارية تتناول إعادة تنظيم المؤسسات المدنية والعسكرية والأمنية، ومعالجة تداخل الصلاحيات الذي تراكم خلال سنوات الحرب، بما يضمن توحيد القرار داخل مؤسسات الدولة وربط المحافظات المحررة بالعاصمة المؤقتة عدن، تمهيدًا لتعزيز حضور مؤسسات الدولة.
كما تركز الاتصالات على تقريب وجهات النظر بين مختلف المكونات اليمنية، وإنهاء الانقسام داخل القوى المناهضة للحوثيين، سواء المنضوية تحت مظلة الشرعية أو العاملة ضمن التحالف العربي بقيادة السعودية، إلى جانب إعادة تنظيم الأوضاع السياسية والإدارية والأمنية في المحافظات المحررة.
وترى المصادر أن استمرار الانقسامات منح الحوثيين مساحة لتوسيع نفوذهم، مستفيدين من الخلافات السياسية والعسكرية وتعثر بناء مؤسسات الدولة، الأمر الذي انعكس على الخدمات والإدارة ومسار المواجهة.
وعلى المستوى الرسمي، عقد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي اجتماعًا مع قيادة مجلس النواب ومجلس الشورى وهيئة المصالحة الوطنية لبحث المستجدات السياسية والعسكرية.
وأكد العليمي خلال الاجتماع أن المواجهة مع الحوثيين لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تشمل المسارات السياسية والقانونية والدبلوماسية والإعلامية، داعيًا المؤسسات التشريعية والاستشارية إلى دعم وحدة الموقف الوطني، وكشف الانتهاكات الحوثية،
وإعداد رؤى وطنية، وتوحيد الخطاب السياسي والإعلامي، وتعزيز التواصل مع النخب والقوى المجتمعية، إضافة إلى تقديم مبادرات تدعم تماسك الصف الداخلي.
واعتبر أن أخطر ما يراهن عليه خصوم الدولة يتمثل في استهداف وحدة الصف وإضعاف ثقة المواطنين بالمؤسسات الشرعية، مؤكدًا ضرورة عمل جميع مؤسسات الدولة بروح واحدة دفاعًا عن الجمهورية وسيادتها.
بالتزامن مع ذلك، تتواصل مشاورات جنوبية للإعداد لمؤتمر الحوار الجنوبي – الجنوبي، بهدف توسيع التمثيل ليشمل مختلف المكونات الجنوبية، وإتاحة المجال أمامها للمشاركة في رسم مستقبل الجنوب، مع العمل على تحصين الحوار من أي تدخلات خارجية قد تؤثر في نتائجه.
ويُنظر إلى هذا المسار باعتباره أحد المفاتيح الرئيسية لمعالجة القضية الجنوبية، لما يحمله من تأثير مباشر على مستقبل الدولة اليمنية، ومسار المواجهة مع الحوثيين، وفرص تحقيق الأمن والاستقرار.
وتكشف معلومات متداولة عن ترتيبات داخل مؤسسات الدولة في المحافظات الجنوبية، تشمل إعادة توزيع المسؤوليات وإجراء تغييرات في عدد من المواقع المدنية والعسكرية والأمنية.
وتتضمن هذه الإجراءات تقليص نفوذ شخصيات محسوبة على المجلس الانتقالي الجنوبي برئاسة عيدروس الزبيدي، مقابل إعادة مسؤولين وقادة عسكريين وأمنيين سبق إقصاؤهم أو غادروا البلاد خلال السنوات الماضية، وإسناد مناصب حكومية وقيادات عسكرية وأمنية إليهم.
وتشير تقديرات سياسية إلى أن نجاح هذه الخطوات قد يسهم في إنهاء جانب من الانقسامات التي استمرت سنوات داخل معسكر الشرعية، بعدما استفاد الحوثيون من حالة التباين بين القوى المناهضة لهم، وهو ما انعكس على اتساع مناطق سيطرتهم وتطوير قدراتهم العسكرية، حتى أصبحوا يشكلون تهديدًا للملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
كما يُنظر إلى توحيد المكونات السياسية في الجنوب، بالتوازي مع إعادة هيكلة الوحدات العسكرية والأمنية، باعتباره مدخلًا لتعزيز مؤسسات الدولة وتحسين قدرتها على إدارة المرحلة المقبلة.
وتربط تقديرات أخرى هذه الترتيبات بتراجع النفوذ الإماراتي داخل بعض مؤسسات الدولة، مع توقعات بمواجهة هذه الخطوات معارضة من أطراف ما زالت تتبنى خطاب المجلس الانتقالي وتعترض على التوجهات المدعومة من السعودية.
أما في المناطق الشمالية، فتشهد بعض المحافظات تحركات قبلية عبر ما يعرف بـ"المطارح"، وهي تجمعات قبلية جاءت استجابة لدعوات أطلقها شيوخ قبائل احتجاجًا على ممارسات الحوثيين، على خلفية قضية ميرا صدام حسين التي تقول إنها ابنة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.
وتُعد هذه التحركات مؤشرًا على تصاعد التوتر في الشمال، بالتزامن مع استمرار الخلافات السياسية وتراجع فرص التوصل إلى تسوية شاملة.
في الوقت نفسه، لا تزال خريطة الطريق التي نوقشت سابقًا في العاصمة العُمانية مسقط بين السعودية والحوثيين، ووافقت عليها الحكومة اليمنية، تواجه عراقيل تحول دون إعلانها رسميًا أو الانتقال إلى مرحلة التنفيذ.
وتتحدث تقديرات سياسية عن أن التصعيد العسكري المتبادل قد يحمل رسائل تعكس تراجع فرص الالتزام بالتفاهمات السابقة، خاصة بعد المتغيرات الإقليمية الأخيرة، وما رافقها من تحول في خطاب الحوثيين عقب وقف الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ـ الإيرانية.
كما ترتبط التطورات اليمنية بالتوتر المتصاعد في الخليج، خصوصًا بعد استهداف سفن في مضيق هرمز، واستئناف الغارات الأمريكية بوتيرة أكبر، إضافة إلى التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيقي هرمز وباب المندب، الأمر الذي يرفع احتمالات اتساع رقعة المواجهة العسكرية خلال المرحلة المقبلة.