شرعت الحكومة العراقية في إعادة صياغة استراتيجيتها لإدارة قطاع النفط، في خطوة تستهدف تعزيز أمن الطاقة وتنويع منافذ التصدير، عقب تداعيات الحرب الأخيرة وما رافقها من تحديات أمنية واقتصادية كشفت هشاشة الاعتماد على مسار تصدير واحد.
ويقول مسؤولون وخبراء في قطاع الطاقة إن أولويات بغداد لم تعد تقتصر على زيادة الإنتاج، بل باتت تركز على ضمان استمرارية الإمدادات وتأمين وصول النفط العراقي إلى الأسواق العالمية عبر بدائل متعددة، بما يقلل من تأثير أي اضطرابات إقليمية مستقبلية.
وجاءت هذه المراجعة بعد تعرض منشآت نفطية ومواقع دبلوماسية أجنبية، وفق تقديرات أمنية، لمئات الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ، استهدفت في معظمها حقولًا ومنشآت للطاقة، الأمر الذي دفع عددًا من الشركات الأجنبية إلى تقليص أنشطتها أو إجلاء بعض موظفيها، وسط مخاوف من انعكاسات ذلك على الاستثمار والإنتاج.
وفي إطار هذه التوجهات، وقّعت شركة نفط البصرة عقد الإدارة المتكاملة لحقلي بن عمر والسندباد مع شركة هالبيرتون الأمريكية، ضمن خطة حكومية لرفع الطاقة الإنتاجية وتعزيز استثمار الغاز المصاحب.
وأكد وزير النفط باسم العبادي أن العقد، الممتد لخمس سنوات، يأتي ضمن استراتيجية الوزارة لتطوير قطاع النفط والغاز بالشراكة مع الشركات العالمية، موضحًا أن الخطة تستهدف رفع إنتاج حقل بن عمر إلى 150 ألف برميل يوميًا، مع استثمار نحو 300 مليون قدم مكعب قياسي يوميًا من الغاز المصاحب.
وأضاف أن مشروع تطوير حقل السندباد يهدف إلى زيادة إنتاجه إلى ما بين 80 و100 ألف برميل يوميًا، إلى جانب رفع إنتاج الغاز المصاحب، بما يسهم في دعم إمدادات الوقود لمحطات توليد الكهرباء وتعزيز أمن الطاقة المحلي.
ويرى خبراء في القطاع النفطي أن التطورات الأخيرة دفعت وزارة النفط العراقية إلى تبني رؤية أكثر شمولًا لإدارة القطاع، ترتكز على استيعاب المتغيرات الجيوسياسية والأمنية، بعد أن أظهرت الأزمات الأخيرة الحاجة إلى خطط بعيدة المدى تتجاوز الاعتبارات الإنتاجية التقليدية.
وأشار الخبراء إلى أن تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز خلال الفترة الماضية أبرز المخاطر المترتبة على الاعتماد على منفذ تصدير واحد، ما دفع بغداد إلى تسريع مشاريع خطوط الأنابيب البديلة باتجاه تركيا وسوريا، بهدف تنويع مسارات التصدير وتعزيز مرونة الصادرات العراقية.
وأوضحوا أن تطوير خط جيهان التركي وطرح مشروع إعادة تأهيل خط كركوك – بانياس عبر سوريا يمثلان خيارين استراتيجيين يمنحان العراق قدرة أكبر على الوصول إلى الأسواق الأوروبية وتقليل المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية.
وفي السياق ذاته، تتماشى هذه التحركات مع التفاهمات العراقية الأمريكية الأخيرة، التي شملت إعادة تأهيل خط أنابيب كركوك، وبدء مفاوضات مع شركة شيفرون لتطوير عدد من الحقول النفطية، إضافة إلى توفير ضمانات أمنية لتشجيع الشركات الأجنبية على استئناف أعمالها داخل العراق.
وأكد مسؤول في وزارة النفط أن الحكومة خرجت من الأزمة الأخيرة بقناعة بضرورة تغيير فلسفة إدارة القطاع النفطي، مشيرًا إلى أن توقف جانب كبير من الصادرات عبر مضيق هرمز، إلى جانب انسحاب بعض الشركات الأجنبية بسبب التحديات الأمنية، فرض مراجعة شاملة لسياسات الاستثمار والتصدير وحماية البنية التحتية.
ويجمع مختصون على أن مستقبل قطاع النفط العراقي بات يرتبط بقدرة بغداد على التعامل مع الملف باعتباره ركيزة للأمن القومي والاقتصادي، عبر تنويع منافذ التصدير، وتعزيز حماية المنشآت، وتوسيع الشراكات الدولية، بما يضمن استقرار الإيرادات النفطية في مواجهة التقلبات الإقليمية.