أجرت وكالة أنباء آسيا حوارا مع السياسي والباحث خلدون الشريف تناول آخر التطورات السياسية على الساحة اللبنانية لا سيما زيارة وزير الخارجية السوري والجولات التي قام بها، وكان هذا الحوار التالي:
1 - كيف تقرأ زيارة الوزير الشيباني إلى لبنان؟
أعتقد أنها زيارة تأسيسية أكثر منها بروتوكولية. وبتقديري الشخصي، كانت العلامة الفارقة فيها هذه المرة زيارة الرئيس نبيه بري والموقف المتقدم الذي أبداه حيالها. فهي أول محاولة جدية من القيادة السورية الجديدة لإعادة صياغة العلاقة مع لبنان كله على قاعدة مختلفة عن المرحلة السابقة: احترام سيادة البلدين، وفتح قنوات سياسية واقتصادية وأمنية مباشرة بين الدولتين، بعيدًا عن منطق الوصاية الذي طبع مراحل سابقة.
كما أنها تأتي في لحظة إقليمية تشهد إعادة رسم للتحالفات والتوازنات. فكلام الرئيس ترامب عن تدخل سوري للمساعدة في إنهاء حزب الله قابله موقف إيجابي من الرئيس أحمد الشرع والوزير أسعد الشيباني، تحدثا فيه عن احتمال فتح حوار مع الحزب إذا كان ذلك يخدم مصلحة البلدين. وهذا يعني، برأيي، أن نية التدخل غير موجودة، فيما تبقى نية الحوار قائمة إذا توافرت ظروفها.
2- برأيكم.. هل تفتح هذه الزيارة صفحة جديدة في العلاقة بين لبنان وسوريا؟
يمكنها أن تفتح صفحة جديدة إذا التزم الطرفان بثلاثة مبادئ: الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وحل الملفات العالقة بالحوار. النوايا تبدو إيجابية، لكن نجاحها سيُقاس بالأفعال لا بالتصريحات، ولا سيما في ملفات الحدود، والنازحين، والتعاون الاقتصادي والأمني.
ومن البديهي أن المصالح المشتركة بين البلدين كثيرة جدًا، من خطوط النفط والغاز والسكك الحديدية، إلى المنطقة الاقتصادية، واستخدام مرفأ طرابلس لخدمة المنطقة وصولًا إلى العراق. لكن الأكيد أن تعاونًا بهذا الحجم يجب أن يكون بين دولتين كاملتي السيادة.
3- أي رسالة تكمن خلف زيارة الوزير الشيباني إلى طرابلس؟
طرابلس ليست مجرد محطة جغرافية، بل تحمل رمزية سياسية وتاريخية. واختيارها رسالة بأن دمشق الجديدة تريد مخاطبة بيئة كانت تُعد من أكثر البيئات توترًا مع النظام السوري السابق، لكنها تريد أن تبني العلاقة عبر السلطة المركزية اللبنانية، لا خارجها.
كما أنها زيارة وفاء لمدينة قدمت الشهداء مبكرًا دفاعًا عن الشعب السوري، وطالها إرهاب دامٍ تمثل في تفجيري مسجدي التقوى والسلام خلال صلاة الجمعة. لذلك لا أعتقد أن الزيارة تحمل أكثر من هذا البعد الرمزي ورسالة الوفاء.
4- هل التقاطع التركي - الإيراني يكمن وراء زيارة الوزير الشيباني إلى الرئيس بري؟
لا أعتقد أن الأمر يتعلق بتقاطع تركي–إيراني، بل هو في الأساس مصلحة سورية–لبنانية مشتركة. كما أن المملكة العربية السعودية ليست بعيدة عن تشجيع التنسيق بين البلدين، ويكفي أنها استضافت لقاءات عسكرية وأمنية رفيعة المستوى تناولت التنسيق الأمني، وترسيم الحدود، وإطفاء التوترات.
وإذا كانت هناك تفاهمات إقليمية أوسع، فمن المرجح أنها تشمل أكثر من طرف، بينها الولايات المتحدة وعدد من الدول العربية، وفي مقدمها المملكة العربية السعودية. كما أن استقرار المشرق يصب أيضًا في مصلحة تركيا. أما إيران، وحتى الآن، فما زالت بعيدة عن سوريا الجديدة، ولا أعتقد أنها من المحركات الأساسية لزيارة كهذه.
5- لماذا تم استثناء تيار المستقبل من جولة الوزير الشيباني على القوى السياسية؟
السبب الأرجح أن تيار المستقبل لا يشارك حاليًا في الحياة السياسية والتنظيمية كما كان في السابق، بعد قرار الرئيس سعد الحريري تعليق العمل السياسي. لذلك ركزت الزيارة على المؤسسات الدستورية والقوى والأحزاب الفاعلة والممثلة في مجلس النواب.
وحتى اللقاء الذي عُقد في دار الفتوى في طرابلس حضره جميع نواب المدينة، إلى جانب وزرائها السابقين، بمن فيهم الذين كانوا ينتمون إلى تيار المستقبل، إضافة إلى ممثلي القطاعات الاقتصادية، من دون استثناء.
6- هل سيُرخي اتفاق الإطار بظله على علاقة لبنان بدول الجوار، ولا سيما سوريا؟
لا أعتقد أن اتفاق الإطار يُؤخذ، حتى الآن، على محمل الجد إقليميًا، ولا سيما أن اللبنانيين أنفسهم منقسمون حوله بصورة حادة.
فسوريا حاولت الوصول إلى اتفاق أمني مع إسرائيل، لكن ذلك لم يتحقق. كما أن إسرائيل سبق أن أبرمت اتفاقات عدة ثم خرقتها أو حاولت الالتفاف عليها، ولعل أبرز الأمثلة اتفاق أوسلو.
مع ذلك، فإن أي ترتيبات تعيد تنظيم الوضع الأمني في جنوب لبنان ستنعكس حتمًا على البيئة الإقليمية. فسوريا معنية باستقرار لبنان، كما أنها معنية بمستقبل الحدود، والتبادل التجاري، وإعادة الإعمار. وإذا نجح وقف إطلاق النار في تثبيت الاستقرار، فقد يفتح المجال أمام تعاون اقتصادي وأمني أوسع، أما إذا تعثر، فستبقى المنطقة كلها عرضة للتوتر.
7- هل يمكن أن نشهد حوارًا في بعبدا يضم القوى السياسية على خلفية اتفاق واشنطن؟
أعتقد أن الحاجة إلى الحوار أصبحت أكبر من أي وقت مضى. هناك أسئلة استراتيجية تتعلق بالسلاح، والسيادة، ودور الدولة، والعلاقات الخارجية، والدستور والطائف ولا يمكن معالجة هذه الملفات بقرارات أحادية.
وإذا توفرت إرادة سياسية حقيقية، وضمانات بأن يكون الحوار منتجًا لا شكليًا، فإن انعقاده سيكون خطوة إيجابية، لكنه سيحتاج إلى حد أدنى من التوافق الداخلي والثقة المتبادلة بين مختلف الأطراف.