أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس إطلاق حزمة إصلاحات اقتصادية واجتماعية واسعة تضم 34 إجراءً، في خطوة تهدف إلى استعادة الثقة بأداء الحكومة، وتحفيز الاقتصاد الألماني الذي يواجه تحديات متزايدة، وسط تباطؤ النمو وتراجع الإنتاج الصناعي.
وتأتي الخطة بعد أشهر من الخلافات داخل الائتلاف الحاكم، في وقت تستعد فيه الحكومة لاختبارات سياسية وبرلمانية معقدة خلال الخريف المقبل، في ظل أغلبية محدودة داخل البرلمان، واقتراب الانتخابات الإقليمية في سبتمبر، إلى جانب استمرار صعود حزب البديل من أجل ألمانيا في استطلاعات الرأي.
وخلال مؤتمر صحفي في المستشارية ببرلين، ظهر ميرتس إلى جانب نائب المستشار ووزير المالية لارس كلينغباير ورئيس الحزب الاجتماعي المسيحي ماركوس زودر، معلنين التوصل إلى اتفاق على الحزمة الإصلاحية.
وقال ميرتس: "نريد إعادة ألمانيا إلى المسار الصحيح، وأصبح واضحاً أن ذلك ممكن."
ويُنظر إلى الاتفاق باعتباره اختراقاً سياسياً بعد تعثر الائتلاف في تنفيذ وعوده السابقة، التي حملت عناوين مثل "خريف الإصلاحات" و"ربيع الإصلاحات"، دون أن تتحول إلى برامج عملية، ما انعكس على مستوى الثقة بالحكومة.
وتشمل الإصلاحات خفضاً ضريبياً للأسر والعائلات بقيمة تصل إلى 10 مليارات يورو سنوياً اعتباراً من عام 2027، على أن يُموَّل جزء من هذه التخفيضات عبر زيادة الضرائب على أصحاب الدخول السنوية التي تتجاوز 250 ألف يورو.
كما تتضمن الحزمة تعديلات في سوق العمل، تشمل تخفيف بعض قيود الفصل، وتوسيع إمكانية العمل أيام الأحد، ورفع الحد الأقصى لعقود العمل محددة المدة إلى أربع سنوات، إضافة إلى إلغاء نظام الإجازات المرضية الممنوحة عبر الهاتف، الذي اعتمد خلال جائحة كورونا، في ظل ارتفاع معدلات التغيب عن العمل مقارنة بدول أوروبية أخرى.
وتتضمن الخطة أيضاً إجراءات لتقليص البيروقراطية، وإنشاء "صندوق ألمانيا" للاستثمار في القطاعات الاستراتيجية بالشراكة بين القطاعين العام والخاص.
ورغم التوافق السياسي، جاءت الحزمة أقل طموحاً من المقترحات الأولية، بعدما تراجع الائتلاف عن عدد من مطالب أرباب العمل، وفي مقدمتها إلغاء سقف يوم العمل البالغ ثماني ساعات، نتيجة التسويات بين الأحزاب المشاركة في الحكومة.
ويرى خبراء اقتصاديون أن جزءاً كبيراً من التخفيضات الضريبية لا يزال يفتقر إلى مصادر تمويل واضحة، في وقت تواجه فيه الميزانية الاتحادية ضغوطاً متزايدة، فيما يعتبر ممثلو قطاع الأعمال أن الإجراءات الحالية قد لا تكون كافية لاستعادة القدرة التنافسية للاقتصاد الألماني، الذي يعاني تباطؤاً منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022.
ويواجه الائتلاف الحاكم تحدياً إضافياً يتمثل في تمرير الإصلاحات داخل البوندستاغ، حيث لا تتجاوز أغلبيته البرلمانية 12 مقعداً، ما يجعل أي انقسام داخلي كفيلاً بتعطيل مشاريع القوانين.
كما أشارت صحيفة لوموند الفرنسية إلى أن عدداً من الإجراءات لا يزال بحاجة إلى تفاصيل تنفيذية، وهو ما ينذر بنقاشات برلمانية مطولة خلال الأشهر المقبلة.
في المقابل، انتقد حزب البديل من أجل ألمانيا الحزمة، معتبراً أنها لا تعالج مشكلة الإنفاق الحكومي وتضخم الجهاز الإداري، فيما أعلن حزب اليسار رفضه للإصلاحات المرتبطة بسوق العمل ونظام الحماية الاجتماعية.
ويزداد المشهد تعقيداً مع اقتراب الانتخابات الإقليمية في ثلاثة أقاليم خلال سبتمبر المقبل، حيث تمنح استطلاعات الرأي أفضلية لحزب البديل من أجل ألمانيا، الأمر الذي قد ينعكس على توازنات البرلمان ويؤثر في قدرة الحكومة على تمرير إصلاحاتها.
وبذلك، يكون ميرتس قد نجح في توحيد شركائه داخل الائتلاف وإطلاق أولى خطوات برنامجه الإصلاحي، إلا أن نجاح الخطة سيبقى مرهوناً بقدرتها على تجاوز الاختبارات البرلمانية وتحقيق نتائج اقتصادية ملموسة خلال المرحلة المقبلة.