من التصاريح إلى الدفن.. كيف يحاصر الاحتلال الموتى؟

2026.07.02 - 17:15
Facebook Share
طباعة

كشف تحقيق استقصائي عن اتساع القيود الإسرائيلية المفروضة على دفن الفلسطينيين في الضفة الغربية، والتي تطورت تدريجياً منذ عام 2002 لتشمل ما لا يقل عن 11 مقبرة رئيسية، إضافة إلى منع الدفن نهائياً في مقبرتين داخل مخيم جنين، ما جعل مراسم تشييع الموتى تخضع لإجراءات عسكرية تشمل التصاريح، وتحديد أعداد المشاركين، وأوقات الدفن، ومسارات الوصول إلى المقابر.

 

 

استند التحقيق إلى شهادات لعائلات فلسطينية، ومسؤولين محليين، وحفاري قبور، وسائقي سيارات نقل الموتى، إضافة إلى بيانات رسمية، موثقاً كيف تحولت مراسم الوداع في عدد من مدن وقرى الضفة الغربية إلى إجراءات أمنية تدار عبر التنسيق المسبق مع سلطات الاحتلال.

 

 

تعود بداية هذه القيود إلى مرحلة بناء جدار الفصل حول القدس الشرقية عام 2002، حين أصبحت بلدات فلسطينية مفصولة عن مقابرها التاريخية، وأصبح الوصول إليها مشروطاً بالحصول على تصاريح مسبقة والعبور عبر حواجز عسكرية، أبرزها حاجز الشيّاح الذي يعرفه الأهالي باسم "حاجز المثوى الأخير".

 

 

في بلدة السواحرة، أدى فصل البلدة إلى قسمين إلى اشتراط التنسيق للوصول إلى مقبرة جبل المكبر، مع تحديد عدد المشيعين وإخضاعهم للتفتيش، وهو ما دفع الأهالي عام 2019 إلى إنشاء مقابر جديدة داخل البلدة.

 

 

امتدت الإجراءات نفسها إلى مقابر بيت إكسا، والنبي صموئيل، وحارة الخلايلة، ومقبرة الخطيب في مدينة الخليل، حيث تنسق الهيئة العامة للشؤون المدنية لنحو خمس حالات دفن شهرياً في تلك المناطق.

 

 

مع مرور السنوات، توسعت الإجراءات لتشمل تحديد مكان القبر مسبقاً على الخرائط، وتقديم أسماء المشيعين، وتحديد عددهم، وفرض مدة زمنية لا تتجاوز غالباً ساعة واحدة لإتمام مراسم الدفن، إلى جانب وجود قوات الاحتلال داخل المقابر أو في محيطها، ومنع إدخال معدات الحفر في عدد من المواقع.

 

 

امتدت القيود أيضاً إلى منع زيارة القبور أو صيانتها، خاصة في المناطق الواقعة خلف الجدار أو المحاذية للمستوطنات، ما أدى إلى حرمان عائلات كثيرة من زيارة قبور ذويها لسنوات.

 

 

عقب اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، توسعت الإجراءات لتشمل قرية أم صفا شمال غرب رام الله، حيث أصبح التنسيق إلزامياً لكل جنازة، مع منع إدخال معدات الحفر الكهربائية، وتأجيل الدفن لساعات أو حتى لليوم التالي، فيما اضطر الأهالي في بعض الحالات إلى حمل الجثمان سيراً على الأقدام عبر طرق وعرة.

 

 

في محافظة الخليل، تصاعدت القيود منذ مارس/آذار 2024، لتصبح الموافقات المسبقة شرطاً لدفن الموتى في مقابر الكرنتينا، والسهلة، والرأس، وهي مقابر تقع داخل مناطق مغلقة أو بمحاذاة المستوطنات.

 

 

تقول الهيئة العامة للشؤون المدنية إنها تنسق لنحو 100 حالة دفن شهرياً في هذه المقابر، وسط فرض مسارات محددة للدخول والخروج، وتدخل مباشر من قوات الاحتلال قد يصل إلى احتجاز المشيعين أو استخدام الغاز، إضافة إلى تسجيل اعتداءات متكررة من مستوطنين على شواهد القبور ومنع أعمال الترميم.

 

 

مطلع عام 2025، وصلت هذه الإجراءات إلى محافظتي جنين وطولكرم، حيث فُرضت قيود مماثلة على مقابر داخل المخيمات ومحيطها، مع تسجيل 34 حالة دفن خضعت للتنسيق حتى بداية نوفمبر/تشرين الثاني، واضطرت بعض العائلات إلى استخدام مقابر بديلة.

 

 

يروي مراد جميل النتشة من مدينة الخليل أن سلطات الاحتلال رفضت السماح بدفن والده في مقبرة الرأس بعد وفاته في أكتوبر/تشرين الأول 2025 بحجة وجود نشاط للمستوطنين، ما دفع العائلة إلى تنفيذ مراسم الدفن دون تصريح، وسط انتشار جنود الاحتلال وتحليق طائرات الاستطلاع.

 

 

تحدث سكان من السواحرة الشرقية عن انتظار ساعات طويلة للسماح بدفن ذويهم، في حين أكد آخرون أنهم لم يتمكنوا من زيارة قبور أفراد عائلاتهم منذ سنوات بسبب القيود المفروضة.

 

 

في أم صفا، اضطر الأهالي في إحدى الحالات إلى حمل الجثمان سيراً بعد رفض التنسيق، بينما شهدت الخليل حالات انتظار لساعات قبل السماح بالدفن، مع تدخل قوات الاحتلال أثناء الحفر، وفرض عدد محدود من المشاركين، وتحديد مدة زمنية قصيرة لإنهاء مراسم التشييع.

 

أكد التحقيق أن سلطات الاحتلال تلزم العائلات في بعض المناطق بتقديم اسم المتوفى، وموعد الدفن، وعدد المشيعين، وموقع القبر بدقة قبل منح الموافقة، ما يجعل عملية الدفن خاضعة لإجراءات أمنية وإدارية معقدة.

 

لا تقتصر القيود على الدفن، إذ تشمل أيضاً منع زيارة المقابر وصيانتها، حيث يواجه الأهالي صعوبات كبيرة في الوصول إلى قبور ذويهم، كما تواجه أعمال الترميم والتنظيف عراقيل تتطلب موافقات قد تستغرق أشهراً.

 

 

يرى مختصون في القانون الدولي أن هذه الممارسات تتعارض مع اتفاقية جنيف الرابعة، التي تكفل احترام كرامة الموتى وحق ذويهم في الدفن والحداد، فيما وثقت منظمات حقوقية فرض قيود على الجنائز، وتأخير عمليات الدفن، وتحديد أعداد المشاركين، ومنع الوصول إلى المقابر، خاصة في المناطق القريبة من المستوطنات أو الواقعة خلف الجدار.

 

يخلص التحقيق إلى أن عدداً متزايداً من مقابر الضفة الغربية بات يخضع لإجراءات عسكرية مشددة، حوّلت دفن الموتى وزيارة القبور إلى عملية مرتبطة بالتصاريح والحواجز والقيود الأمنية، بدلاً من أن تبقى حقاً دينياً وإنسانياً تمارسه العائلات بحرية.

 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 8