أشار الأمين العام لحركة التوحيد الإسلامي الشيخ بلال شعبان في تصريح خاص لوكالة أنباء آسيا الى أن "اتفاق واشنطن الثلاثي يمثل انتكاسة سيادية ومخاطرة تشرعن وجود الاحتلال وتفرض شروطاً قاسية على لبنان، وذلك لثلاثة هواجس أساسية:
• شرط الانسحاب التعجيزي: يعلق الاتفاق الانسحاب الإسرائيلي الكامل على "التحقق من نزع سلاح المقاومة وتفكيك بنيتها التحتية"، مما يمنح الاحتلال الإسرائيلي ذريعة قانونية للبقاء في "الحزام الأمني" لفترات غير محددة، ويعطيه حق التدخل العسكري بحجة وجود أي تهديد.
• تحويل الجيش إلى أداة تنفيذية: يحاول الاتفاق توظيف الدولة والجيش لتحقيق أهداف أمنية عجزت إسرائيل عن فرضها ميدانياً، مما يهدد بفتح الباب أمام فتنة داخلية.
• المساس بالسيادة الوطنية: هذا الاتفاق يتجاوز خطورة (اتفاق 17 أيار)؛ إذ يربط المساعدات، وإعادة الإعمار، وعودة الأهالي بموافقة واشنطن وتنفيذ شروط مجحفة، مما ينتقص من القرار الوطني المستقل لصالح الكيانالصهيوني.
من هنا فإن الاتفاق يدفع بالبلاد نحو "شرعنة الاحتلال" محلياً ودولياً، والانزلاق نحو صدام داخلي.
من جهة ثانية لفت الشيخ شعبان الى أن "السلطة في لبنان قدمت ورقة مجانية للعدو حيث دخلت المفاوضات من موقع جردت فيه نفسها من عوامل القوة وخاصة ورقة المقاومة وقدمت تنازلات جوهرية دون ضمانات:
• الإقرار بهزيمة غير واقعية: القبول بتفكيك بنية المقاومة كشرط مسبق للانسحاب هو إقرار رسمي بهزيمة عسكرية لم تحدث في الميدان؛ فالعدو عجز لأشهر عن تجاوز الحدود، بينما تعتمد المقاومة حرب استنزاف مع الاحتلال. وبذلك حقق الاتفاق للعدو بالدبلوماسية ما عجز عن تحقيقه عسكرياً.
• تشريع التدخل الأمني: منح الاتفاق لآليات المراقبة الأمريكية والدولية صلاحيات صارمة تشرعن خرق السيادة أو تجميد الانسحاب تحت حجة "عدم جدية الدولة".
• خطر الفتنة: تحمل السلطة مسؤولية نزع سلاح مكون لبناني بالقوة ينقل الصراع من "لبناني - إسرائيلي" إلى "لبناني - لبناني"، وهو خدمة مجانية للعدو قد تؤدي لحرب أهلية.
كما اعتبر الأمين العام لحركة التوحيد الإسلامي أن الاتفاق يضع الدولة والجيش في مواجهة مباشرة مع بيئة المقاومة وحلفائها، وعليه تتأرجح المسارات بين سيناريوهين تحكمهما عوامل محددة:
1. سيناريو الصدام: إذا حاولت السلطة تطبيق بند التفكيك بالقوة وتحت ضغط الجداول الزمنية الخارجية.
2. سيناريو "الستاتيكو والمماطلة": وهو الأرجح؛ حيث ستلجأ السلطة للمناورة تجنباً للكلفة الباهظة للصدام، فيكتفي الجيش بالانتشار ومحاولة ضبط المظاهر المسلحة، مع فتح حوار وطني (كصياغة استراتيجية دفاعية) لإيجاد مخرج لبناني.
• عوامل الكبح: عقيدة الجيش الحريصة على السلم الأهلي، وبراغماتية القوى المحلية (بما فيها حزب الله) التي تدرك أن الحرب الأهلية انتحار جماعي.
• عوامل التفجير: الضغط الأمريكي-الإسرائيلي الصارم بربط الإعمار بالتمثيل الحرفي للاتفاق، أو حدوث استفزازات واغتيالات ميدانية تخرج الشارع عن السيطرة.
أما عن سبب تخلي السلطة عن التمسك بمسار "واشنطن - طهران" لصالح مفاوضات الإطار المباشرة، فيشر الشيخ شعبان الى أن هذا الأمر يرتبط بالصراع الاستراتيجي الذي يهدف إلى الاستفراد بلبنان وتجريده من أوراق قوته عبر أبعاد ثلاثة:
• الرعاية الأمريكية الأحادية: غياب المظلة الدولية المتعددة الأطراف يميل بميزان القوى لصالح إسرائيل، لتصبح واشنطن "الخصم والحكم"، وتُفرض إملاءات تحت مسمى الأمن تحرم لبنان من آليات الضغط.
• تفكيك "تكامل الساحات": يهدف المسار المنفرد إلى عزل الجبهة اللبنانية عن عمقها الإقليمي وجبهات الإسناد، مما يسهل استنزاف الدولة وفرض شروط استسلام سياسي.
• الهروب من الضمانات الإقليمية: تسعى إسرائيل للهروب من معادلات الردع والندية التي تفرضها التفاهمات الإقليمية الكبرى (والتي تمنح المحور شرعية كضامن للأمن)، وحصر المواجهة في إطار لبناني-إسرائيلي بحت يسهل خرق تعهداته مستقبلاً.
وحول قدرة الجيش اللبناني على ضبط الشارع في حال التصعيد، يعتبر الشيخ شعبان أن "الجيش يواجه التحدي الأعقد في تاريخه، وترتبط قدرته بثلاثة كوابح رئيسية:
• العقيدة العسكرية والنسيج الداخلي: يعكس الجيش التوازن الطائفي للبلاد، ودفعه لمواجهة المقاومة وحاضنتها وصفة لتصدع المؤسسة من الداخل، وهو ما يرفضه الجيش تاريخياً.
• فجوة ميزان القوى: رغم الدعم الغربي، لا يملك الجيش القدرة ولا الرغبة في نزع سلاح قوة منظمة ومجذرة شعبياً وجغرافياً كالمقاومة قسراً.
• غياب الغطاء السياسي: المعارضة الشرسة للاتفاق (واعتباره تحريضاً على الفتنة من قِبل رئاسة البرلمان) تجرد الجيش من الحماية السياسية، وتظهره كمنفذ لإملاءات خارجية.
• الخلاصة: لن يخاطر الجيش بمواجهة عسكرية، بل سيعتمد "الاحتواء الميداني الهادئ"، فينتشر كقوة فصل ويحمي السلم الأهلي كخط أحمر، حتى لو أدى ذلك لعرقلة أو تباطؤ بند نزع السلاح.
س6: هل المخاوف حقيقية من انفلات الأمور في ظل مطالبة البعض بإقالة الحكومة؟
ج: نعم، المخاوف جدية؛ فالمطالبة بإسقاط الحكومة تعكس شرخاً عميقاً يهدد الاستقرار عبر أربعة صواعق:
• ضرب الميثاقية: شعور مكون رئيسي (الطائفة الشيعية وحلفائها) باستهداف وجودي يفقد الحكومة شرعيتها ويحول الخلاف إلى مواجهة هوية في الشارع.
• صاعق منع عودة النازحين: البنود التي تقيد عودة أهالي الجنوب والبقاع والضاحية لبيوتهم قنبلة موقوتة قد تدفع بمئات الآلاف نحو العصيان المدني والاندفاع لقراهم بالقوة، مما يضع الجيش في مواجهة كارثية مع الأهالي.
• معضلة إلغاء الاتفاق: خيار إلغاء الاتفاق هو المخرج الأنسب داخلياً لحفظ الأمن، لكنه يصطدم خارجياً بضغوط أمريكية وتلويح إسرائيلي فوري بالتصعيد العسكري الشامل.
• الفراغ الدستوري والأزمة الاقتصادية: تتزامن المطالبة بإقالة الحكومة مع فراغ رئاسي، مما يهدد بفراغ مؤسساتي مطلق يعجل بالانهيار المالي الشامل وتحول الصدام إلى فوضى معيشية.
س7: إلى أي مدى يضمن "اتفاق الطائف" الاستقرار بعد "اتفاق واشنطن"؟
ج: يضع اتفاق واشنطن "اتفاق الطائف" أمام اختبار وجودي ويشل قدرته ككابح للانفلات للأسباب التالية:
• ضرب الشراكة والميثاقية: يقوم الطائف على التوافق، بينما وُقّع اتفاق واشنطن بغياب إجماع وطني، وشعور مكون أساسي بالاستهداف يسقط ميثاقية العيش المشترك.
• تناقض البنود الأمنية: شرعن الطائف حق لبنان في مقاومة الاحتلال (معادلة الجيش والشعب والمقاومة)، في حين يقلب اتفاق واشنطن المعادلة بربط الانسحاب بتفكيك بنية المقاومة أولاً، مما يضعهما في تصادم دستوري مباشر.
• شلل المؤسسات الدستورية: صُمم الطائف لإدارة محاصصة توافقية لا لمواجهة أزمات ميدانية كبرى، وفي ظل الفراغ الرئاسي والانقسام الحكومي تعجز آلياته عن فرض شروط واشنطن أو احتوائها.
ويختم الشيخ شعبان قائلاً: "كان الطائف ضامناً لأنه قام على تسوية شاملة، بينما اتفاق واشنطن "صيغة إقصائية مفروضة" تنقل الصراع إلى مواجهة وجودية في الشارع تشبه معركة إسقاط اتفاق 17 أيار، مما يجعل الطائف عاجزاً عن حماية الاستقرار".