ما بعد الحرب الأخيرة... السعودية تعيد حساباتها الأمنية والاستراتيجية

2026.06.28 - 22:09
Facebook Share
طباعة

تحول استراتيجي في الحسابات السعودية
أعادت الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تشكيل المقاربة الأمنية للمملكة العربية السعودية، بعدما دفعت الرياض إلى مراجعة رهاناتها التقليدية على الحماية الأميركية، والتوجه نحو استراتيجية تقوم على تنويع الشراكات الدولية وتعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية لمواجهة التحديات الإقليمية.


اختبار الحرب
بحسب تقرير صحفي، وجدت السعودية نفسها خلال المواجهة العسكرية التي شهدها عام 2026 في موقع بالغ الحساسية، بعدما تعرضت منشآت الطاقة داخل المملكة والسفارة الأميركية في الرياض لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، نُسبت إلى إيران.
ورغم وصف السلطات السعودية تلك التهديدات بأنها تمثل خطراً وجودياً، واتخاذها إجراءات دبلوماسية شملت طرد الملحق العسكري الإيراني، فإنها تجنبت الانخراط المباشر في الحرب، كما رفضت استخدام أراضيها لإطلاق العمليات العسكرية الأميركية، مع الإبقاء على قنوات الاتصال مع طهران مفتوحة طوال فترة التصعيد.


مقاربة مختلفة
وأشار التقرير إلى أن الرياض كانت من أوائل العواصم التي أعادت التواصل مع المسؤولين الإيرانيين عقب دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، معتبراً أن هذا النهج يعكس سياسة تقوم على إدارة العلاقات مع القوى المتنافسة، بالتوازي مع العمل على بناء منظومة ردع وطنية أكثر استقلالية.
ويرى التقرير أن هذا التوجه لا يمثل تحولاً طارئاً، بل امتداداً لمسار بدأ بعد استهداف منشآت "أرامكو" في بقيق عام 2019، حين اعتبرت الرياض أن الرد الأميركي المحدود آنذاك كشف حدود الضمانات الأمنية التقليدية.
كما ساهمت المصالحة السعودية - الإيرانية برعاية صينية عام 2023 في تعزيز هذا المسار، قبل أن تؤكد الحرب الأخيرة، وفق التقرير، أهمية تلك المقاربة بعدما طالت الهجمات دولاً خليجية حاولت البقاء خارج دائرة المواجهة.


شراكة مستمرة مع واشنطن
ورغم هذا التحول، يؤكد التقرير أن السعودية لا تزال تنظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها شريكاً استراتيجياً رئيسياً، مستشهداً بحصولها أواخر عام 2025 على حزمة تسليح أميركية كبيرة، إضافةً إلى منحها صفة "حليف رئيسي من خارج حلف الناتو"، وتوقيع اتفاق دفاعي استراتيجي.
إلا أن التقرير يشير إلى أن هذه الترتيبات لا ترقى إلى مستوى معاهدة دفاع مشترك ملزمة، الأمر الذي أبقى الهواجس الأمنية السعودية قائمة، ودفعها إلى البحث عن خيارات إضافية لتعزيز أمنها الوطني.


تنويع مصادر القوة
وفي هذا الإطار، استعرض التقرير توجه المملكة نحو تنويع مصادر التسليح، مشيراً إلى امتلاكها صواريخ باليستية صينية، إلى جانب تقارير تحدثت عن تطوير برنامج محلي لإنتاج الصواريخ بدعم تقني من بكين.
ويرى التقرير أن الصين لا توفر مظلة دفاعية للمملكة، لكنها تسهم في تعزيز قدراتها الذاتية، بما يتوافق مع الرؤية السعودية الجديدة القائمة على تقليل الاعتماد على طرف واحد.
كما قارن التقرير الاستراتيجية السعودية بالنموذج الكوري الجنوبي، موضحاً أن الرياض تعمل على تطوير قدراتها العسكرية والصاروخية، بالتوازي مع برنامجها النووي السلمي، مع الإبقاء على خيار امتلاك قدرات نووية مستقبلية إذا شهدت المنطقة تغيراً في ميزان الردع.


خيارات إقليمية متعددة
وتناول التقرير أيضاً الاتفاق الدفاعي الموقع بين السعودية وباكستان عام 2025، معتبراً أنه يمثل عنصر دعم إضافياً، لكنه لا يشكل بديلاً كاملاً عن الضمانات الأميركية، خاصة بعدما اختارت إسلام آباد خلال الحرب أداء دور الوسيط بدل المشاركة المباشرة في المواجهة.
وعلى المستوى الخليجي، أشار التقرير إلى أن الحرب أظهرت تبايناً في مواقف دول مجلس التعاون، إذ اتجهت الإمارات إلى تعزيز التنسيق الأمني مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بينما فضلت السعودية، بدعم من الكويت وقطر وسلطنة عمان، اعتماد سياسة تقوم على الاحتواء والحوار مع إيران بهدف الحفاظ على الاستقرار الإقليمي.


معادلة أمنية جديدة
ويخلص التقرير إلى أن السياسة السعودية تتجه نحو بناء منظومة أمنية أكثر استقلالاً، تقوم على موازنة العلاقات مع القوى الدولية والإقليمية، والحفاظ على الشراكة مع واشنطن، مع توسيع التعاون مع الصين وباكستان، والإبقاء على قنوات الحوار مع طهران، بالتوازي مع تطوير القدرات الدفاعية المحلية. ويعكس هذا التحول قناعة متزايدة لدى الرياض بأن أمنها المستقبلي سيعتمد بدرجة أكبر على إمكاناتها الذاتية، إلى جانب الشراكات الدولية، وليس على الضمانات الخارجية وحدها. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 3