تشهد القدرات النووية الهندية تطورات تدريجية نحو مزيد من الجاهزية والانتشار، في ظل التقدم المتسارع في التكنولوجيا العسكرية، وخصوصًا في مجال الغواصات النووية، إلى جانب الضغوط المتزايدة الناتجة عن التوسع السريع في الترسانة النووية الصينية، وذلك رغم ثبات العقيدة النووية الهندية رسميًا دون تغيير.
وأثار تقرير صادر عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام "SIPRI" اهتمامًا دوليًا واسعًا، بعدما صنّف الهند ضمن الدول التي تمتلك 12 سلاحًا نوويًا “منشورًا”، بعد أن كانت تُدرج سابقًا ضمن فئة الرؤوس النووية المخزنة فقط.
وبحسب التصنيف الجديد، أصبحت الهند إلى جانب الولايات المتحدة و روسيا والصين وبريطانيا و فرنسا ضمن الدول التي تمتلك أسلحة نووية موزعة أو جاهزة للنشر العملياتي، وفق منهجية المعهد.
وتعود جذور البرنامج النووي الهندي إلى عقيدة استراتيجية تقوم على ما يُعرف بـ"الثالوث النووي"، الذي يشمل الصواريخ الأرضية، والطائرات، والغواصات النووية، حيث تطورت قدرات الهند تدريجيًا عبر هذه المكونات، مع تأخر نسبي في تطوير القدرات البحرية مقارنة بالبرية والجوية.
وفي الرابع من يناير/كانون الثاني 2003، أعلنت الهند عقيدتها النووية الرسمية عقب انتهاء عملية "باراكرام" التي تزامنت مع مواجهة عسكرية مع باكستان، مؤكدة تبني سياسة "عدم البدء بالاستخدام النووي"، بحيث لا تُستخدم الأسلحة النووية إلا في حال التعرض لهجوم نووي.
كما نصت العقيدة على إنشاء هيئة القيادة النووية (NCA) وقوات الردع الاستراتيجية (SFC)، مع اعتماد فصل الرؤوس النووية عن منصات الإطلاق، بما يضمن بقاء السيطرة النهائية بيد القيادة السياسية والمدنية.
وتشير العقيدة الهندية إلى أن الرؤوس النووية تُخزن بشكل منفصل عن وسائل الإطلاق، حيث تبقى المكونات النووية تحت إشراف هيئة الطاقة الذرية، بينما تتولى مؤسسات عسكرية مختصة عمليات التجميع والتشغيل عند الضرورة وبموافقة سياسية عليا.
ويرى خبراء عسكريون أن هناك عدة عوامل تدفع الهند نحو تطور تدريجي في هذه المقاربة، من بينها التقدم في قدرات الاستطلاع الفضائي عبر الأقمار الاصطناعية، وتطور دقة الصواريخ الحديثة، وتسارع دورة اتخاذ القرار العسكري في حالات الأزمات.
وفي ما يتعلق بالردع البحري، تُعد الغواصات النووية واحدة من أهم عناصر الردع الاستراتيجي، نظرًا لقدرتها على البقاء في البحر لفترات طويلة دون كشف، رغم التعقيدات التقنية المرتبطة بتشغيل الأسلحة النووية في بيئة بحرية معزولة.
وقد دخلت الهند هذا المجال عبر الغواصة "آي إن إس أريانت" التي دخلت الخدمة عام 2016، تلتها الغواصة "آي إن إس أريغات" في أغسطس/آب 2024، مع تطوير صواريخ بحرية متعددة، أبرزها "كيه-15" و"كيه-4".
وبحسب تقرير "SIPRI"، فإن تصنيف الأسلحة النووية “المنشورة” يعتمد على افتراض أن الغواصات العاملة في الدوريات البحرية تحمل رؤوسًا نووية جاهزة للإطلاق، وهو ما يُعد تقديرًا تحليليًا وليس تأكيدًا معلوماتيًا مباشرًا.
كما تشير البيانات إلى أن جزءًا كبيرًا من الترسانة النووية الهندية لا يزال في حالة فصل بين الرؤوس الحربية ومنصات الإطلاق، مع وجود منشآت تخزين محصنة وغير معلنة بالكامل، ضمن سياسة الردع المحدود التي تتبعها نيودلهي.
وفي سياق تطوير القدرات البحرية، واجهت الهند تحديات تقنية كبيرة في بناء غواصات نووية حاملة للصواريخ، وتلقت دعمًا روسيًا في هذا المجال. وبعد نحو ربع قرن من التطوير، دخلت "آي إن إس أريانت" الخدمة الفعلية عام 2016، ثم تبعتها "آي إن إس أريغات" في 2024.
كما واجه تطوير صاروخ "كيه-15" تحديات تشغيلية، إذ يبلغ مداه نحو 750 كيلومترًا، وهو مدى محدود نسبيًا من الناحية الاستراتيجية، ما يفرض على الغواصات العمل من مناطق بحرية محددة لتأمين فعالية الردع، خاصة في مسارح قريبة مثل بحر العرب باتجاه الأراضي الباكستانية.
وفي المقابل، يشكل التوسع السريع في الترسانة النووية الصينية عامل ضغط رئيسي على الهند، يدفعها إلى تعزيز قدراتها الدفاعية، سواء عبر زيادة عدد الرؤوس النووية أو تطوير أنظمة إنذار مبكر ومراقبة فضائية أكثر تقدمًا للحفاظ على التوازن الاستراتيجي في آسيا.
وقد أعاد هذا التطور فتح النقاش داخل الأوساط السياسية والعسكرية حول عقيدة "عدم البدء بالاستخدام النووي"، حيث يرى بعض الخبراء والمسؤولين السابقين أنها قد تحتاج إلى مراجعة في ظل تغير طبيعة التهديدات وتطور بيئة الردع الإقليمي.
ورغم ذلك، تؤكد المعطيات أن العقيدة النووية الرسمية للهند لم تشهد أي تعديل، إلا أن الفجوة بين النص العقائدي والقدرات العملياتية المتنامية تعكس مسارًا تدريجيًا نحو تعزيز جاهزية الردع، مدفوعًا أساسًا بالتحولات في القدرات الصينية والتطورات التكنولوجية في مجالات الصواريخ والإنذار المبكر والفضاء العسكري.