تتصاعد مؤشرات التباين بين الولايات المتحدة وعدد من دول الخليج بشأن مسار التفاهمات الجارية مع إيران، في وقت تسعى فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تثبيت اتفاق ما بعد الحرب واحتواء تداعياته الإقليمية. وبينما تصف واشنطن الاتفاق بأنه خطوة لتعزيز الاستقرار وخفض التصعيد، تنظر إليه عواصم خليجية باعتباره ترتيبات تمنح طهران مكاسب سياسية واقتصادية من دون تحميلها كلفة الأضرار التي لحقت بدول المنطقة.
وبحسب تقرير صحفي، واجه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال جولته الأخيرة في الخليج أجواءً متحفظة في كل من الإمارات والكويت والبحرين، حيث نقل له المسؤولون هناك حجم الخسائر التي خلفتها الحرب، والتي شملت أضرارًا في منشآت مدنية، واضطرابات في حركة المطارات والموانئ، وتعطلًا في قطاعي الطاقة والنقل البحري، فضلًا عن ارتفاع تكاليف التأمين وتأخر حركة السفن وتأثر تدفقات النفط.
ويشير التقرير إلى أن عدداً من دول الخليج يعتبر أن إيران تخرج من الأزمة بمكاسب سياسية واقتصادية، فيما تتحمل دول المنطقة التداعيات المالية والأمنية للنزاع.
ووفق مصادر دبلوماسية أوردها التقرير، تتمسك الإمارات بعدم الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة قبل التوصل إلى ضمانات واضحة بشأن سلوك طهران الإقليمي. وتؤكد المصادر أن أبوظبي تعارض في الوقت الراهن الإفراج عن نحو ثلاثة مليارات دولار من الأموال الإيرانية المجمدة لديها، معتبرة أن أي تخفيف للعقوبات أو تحرير للأموال ينبغي أن يسبقه التزام إيراني واضح بعدم تهديد أمن المنطقة أو الملاحة في مضيق هرمز.
ويضيف التقرير أن ملف الأصول الإيرانية لا يقتصر على الإمارات، إذ يجري الحديث عن نحو 12 مليار دولار مجمدة في قطر، إلى جانب أموال أخرى في العراق ودول مختلفة، فضلًا عن تداول مقترحات تتعلق بإنشاء صندوق دولي لإعادة إعمار إيران.
وبحسب التقرير، تنظر بعض العواصم الخليجية إلى هذه الخطوات باعتبارها تحميلًا لدول المنطقة جزءًا من كلفة التسوية التي تقودها واشنطن، وليس إطارًا متوازنًا يعالج تداعيات الحرب أو يضمن تغييرًا في السياسات الإيرانية.
وفي المقابل، تواصل الإدارة الأميركية عرض مذكرة التفاهم التي أعقبت الحرب باعتبارها إنجازًا دبلوماسيًا، بعد إعادة فتح الملاحة في مضيق هرمز، وتهدئة أسواق الطاقة، وبدء مسار تفاوضي يمتد ستين يومًا، وهو ما يمنح واشنطن فرصة للدفع نحو تسوية أوسع مع طهران.
إلا أن التقرير يرى أن القراءة الخليجية تختلف عن الطرح الأميركي، إذ تعتبر أن إيران حصلت على حوافز مبكرة قبل التأكد من التزامها بتغيير سلوكها في الملفات الأمنية والإقليمية.
ويشير التقرير إلى أن دول الخليج كانت تتوقع أن تفضي العمليات العسكرية الأخيرة إلى اتفاق أكثر تشددًا يتضمن قيودًا إضافية على البرنامج النووي الإيراني، وضوابط على برنامج الصواريخ الباليستية، وتقييد نشاط حلفاء طهران في المنطقة، إلى جانب ضمانات واضحة لحرية الملاحة وفرض كلفة اقتصادية على السياسات الإيرانية، إلا أن النتائج، بحسب التقرير، جاءت دون تلك التوقعات.
كما يلفت إلى أن إيران، رغم الأضرار التي تعرضت لها، لا تزال تحتفظ بقدرات تؤثر في أمن الملاحة والمنشآت النفطية، الأمر الذي يجعل أي ترتيبات أمنية مستقبلية في الخليج مرتبطة، بشكل أو بآخر، بدورها في المنطقة.
ويبرز التقرير كذلك اختلافًا في تفسير بنود التفاهم بين واشنطن وطهران، إذ تؤكد الولايات المتحدة أن إيران التزمت بعدم فرض رسوم على عبور السفن في مضيق هرمز، بينما تتحدث طهران عن فترة تفاوض تمتد ستين يومًا لإعادة بحث ملفات الأمن والخدمات البحرية والتأمين، وهو ما يعتبره التقرير مؤشرًا إلى سعي إيران لترسيخ دور دائم في إدارة الممر البحري الاستراتيجي.
وفي هذا السياق، يوضح التقرير أن سلطنة عُمان تواصل أداء دور الوسيط بين الطرفين، بينما تعزز قطر حضورها في جهود الوساطة، في وقت بدأت فيه بعض دول الخليج بإعادة تقييم مستوى اعتمادها على الضمانات الأمنية الأميركية في حماية الملاحة.
كما يشير التقرير إلى أن السعودية تراقب التطورات بحذر، في ظل تنامي أدوار الوساطة الإقليمية لكل من قطر وتركيا وباكستان، مقابل استمرار حاجة دول الخليج إلى الحفاظ على الاستقرار مع إيران، رغم استمرار الخلافات معها.
ويرى التقرير أن دول الخليج لا تتجه إلى تغيير تحالفاتها التقليدية، لكنها أصبحت أكثر ميلًا إلى تنويع خياراتها السياسية والأمنية، مع اقتناع متزايد بأن الاعتماد الحصري على المظلة الأميركية لم يعد كافيًا لضمان أمن المنطقة.
ويضيف أن ملف الأموال الإيرانية المجمدة تحول إلى أبرز نقاط الخلاف، إذ تعتبره عدة عواصم خليجية اختبارًا حقيقيًا لجدية أي تفاهم مع طهران، وترى أن الإفراج عن هذه الأموال قبل تنفيذ الالتزامات الإيرانية يمثل مخاطرة سياسية وأمنية.
وفي السياق نفسه، يشير التقرير إلى وجود تباين داخل الإدارة الأميركية بشأن كيفية التعامل مع إيران، بين مقاربة يتبناها وزير الخارجية ماركو روبيو تقوم على تشديد الضغوط، وأخرى يدعمها نائب الرئيس جي دي فانس تميل إلى تقليص الانخراط العسكري الأميركي وتسريع التفاهمات حتى وإن بقيت بعض الملفات الإقليمية عالقة.
ويخلص التقرير إلى أن نتائج الحرب لم تفضِ، وفق الرؤية الإسرائيلية، إلى تشكيل جبهة إقليمية أكثر تشددًا تجاه إيران، بل دفعت العديد من الدول الخليجية إلى تبني مقاربة أكثر براغماتية تضع الاستقرار وأمن الملاحة واستمرار تدفق الطاقة في مقدمة الأولويات.
ويختتم التقرير بالقول إن إيران خرجت من الحرب وهي تواجه تحديات كبيرة، لكنها لم تجد نفسها في عزلة إقليمية كاملة، فيما أظهرت التطورات أن التحولات في الشرق الأوسط لا تُحسم بالعمليات العسكرية وحدها، وإنما أيضًا عبر التفاهمات السياسية ومسارات التفاوض.