من ملحمة 1978 إلى صدمة 2026.. رحلة التراجع التونسي

2026.06.25 - 19:38
Facebook Share
طباعة

أعادت النتائج القاسية التي سجلها المنتخب التونسي في كأس العالم 2026 فتح نقاش واسع حول واقع كرة القدم في البلاد، بعدما تلقى هزائم ثقيلة كشفت حجم التراجع مقارنة بما اعتاد عليه التونسيون خلال العقود الماضية.

 

ففي مشاركاته السابقة بالمونديال، لم يكن المنتخب التونسي من المنتخبات المرشحة للمنافسة على الألقاب، لكنه حافظ دائماً على صورة الفريق القادر على الصمود ومقارعة خصومه، حتى في حالات الخسارة. أما في نسخة 2026، فقد بدت الفجوة واضحة على مستوى الأداء والقدرة التنافسية، ما دفع كثيرين إلى ربط الأزمة الكروية بتحولات أعمق شهدها المجتمع التونسي.

 

يرى مراقبون أن قصة المنتخب التونسي تتجاوز حدود المستطيل الأخضر، لتصبح انعكاساً لمسار طويل من التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي أثرت على آليات إنتاج المواهب وصعود الأجيال الجديدة.

 

وترتبط كرة القدم في تونس بتاريخ طويل من الحضور الوطني، إذ لعبت الأندية الرياضية خلال فترة الاستعمار الفرنسي دوراً يتجاوز الرياضة، وتحولت إلى فضاءات للتعبير عن الهوية الوطنية والانتماء الثقافي.

 

مع الاستقلال عام 1956، أصبح المنتخب الوطني أحد رموز الدولة الحديثة، قبل أن يبلغ ذروة حضوره في سبعينيات القرن الماضي مع الجيل الذي قاد تونس إلى نهائيات كأس العالم 1978 في الأرجنتين.

 

وضم ذلك الجيل أسماء بارزة مثل حمادي العقربي وطارق ذياب وعلي الكعبي والحارس عتوقة، بقيادة المدرب عبد المجيد الشتالي.

 

حقق المنتخب حينها أول انتصار عربي وأفريقي في تاريخ كأس العالم، بعدما فاز على المكسيك وفرض التعادل على ألمانيا الغربية، ليصبح ذلك الإنجاز جزءاً من الذاكرة الجماعية للتونسيين.

 

وخلال الثمانينيات والتسعينيات، واصل المنتخب إنتاج لاعبين بارزين رغم غياب الإنجازات الكبرى، بينما ظلت الأندية المحلية قادرة على اكتشاف المواهب وتطويرها في مختلف المناطق التونسية.

 

وشكلت كرة القدم آنذاك أحد أهم وسائل الحراك الاجتماعي، حيث كانت تمنح أبناء الأحياء الشعبية والمدن الداخلية فرصة لتحقيق النجاح والانتقال إلى مستويات معيشية أفضل.

 

لكن التحولات الاقتصادية التي شهدتها تونس منذ التسعينيات، بالتزامن مع انتشار منطق الاستثمار والخصخصة، انعكست تدريجياً على قطاعي التعليم والرياضة.

 

وتراجعت أدوار المدرسة العمومية والأندية التقليدية في اكتشاف المواهب، مقابل توسع الأكاديميات الخاصة ومراكز التكوين المدفوعة، ما حدّ من فرص كثير من الشباب في الوصول إلى المسارات الاحترافية.

 

في عهد الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، حظيت الرياضة بدعم كبير من الدولة، لكن هذا الدعم ارتبط في كثير من الأحيان باعتبارات سياسية ودعائية، وفق آراء عديدة تناولت تلك المرحلة.

 

شهدت الفترة نفسها صعود هيمنة بعض الأندية على المشهد المحلي، ما أثر على التوازن التنافسي الذي ميز الكرة التونسية لعقود.

 

ومع بداية الألفية الجديدة، اتجهت المنتخبات الوطنية بشكل متزايد إلى الاعتماد على اللاعبين المحترفين في أوروبا وأبناء الجاليات التونسية في الخارج لسد النقص في بعض المراكز.

 

وبرز هذا التوجه بصورة أوضح بعد التتويج بكأس الأمم الأفريقية عام 2004 بقيادة المدرب الفرنسي روجيه لومير، حين جمعت التشكيلة بين لاعبين تكونوا داخل تونس وآخرين نشأوا في أوروبا.

 

وبمرور الوقت، أصبح الاعتماد على اللاعبين القادمين من الخارج خياراً أساسياً، في ظل تراجع قدرة المنظومة المحلية على إنتاج العدد الكافي من المواهب القادرة على المنافسة دولياً.

 

يرى متابعون أن الأزمة الحالية لا تتعلق بنتائج بطولة واحدة، بل ترتبط بتراجع منظومة متكاملة كانت تنتج اللاعبين والمدربين والكفاءات الرياضية بصورة مستمرة.

 

وتطرح نتائج مونديال 2026 أسئلة واسعة حول مستقبل كرة القدم التونسية، وآليات إعادة بناء منظومة التكوين وتطوير البنية الرياضية، بما يسمح باستعادة الدور الذي لعبته اللعبة لعقود كوسيلة للاندماج الاجتماعي وصناعة النجوم.

 

وبالنسبة لكثير من التونسيين، لم تعد أزمة المنتخب مجرد مسألة رياضية، بل تحولت إلى مرآة تعكس تحديات أوسع تواجه المجتمع، من التعليم إلى فرص الصعود الاجتماعي، مروراً بقدرة المؤسسات على اكتشاف الطاقات الشابة ورعايتها.

 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 5

اقرأ أيضاً