إعادة هندسة النووي الإيراني
تتجه المفاوضات المرتبطة بالملف النووي الإيراني نحو مرحلة جديدة تتجاوز مسألة الحد من التخصيب ومنع التسلح النووي، لتصل إلى بحث إعادة هيكلة شاملة للبرنامج النووي الإيراني ضمن إطار مدني خاضع لرقابة دولية، مدعوم بحوافز مالية واستثمارية تقوده واشنطن بالتنسيق مع الوسطاء الإقليميين والدوليين.
خارطة طريق جديدة
كشفت مصادر دبلوماسية أميركية عن تحركات تقودها الولايات المتحدة بالتنسيق مع قطر وباكستان لإعداد ورقة عمل تقنية ضمن مسار مفاوضات جنيف، تتضمن جدولاً زمنياً لإعادة تنظيم البرنامج النووي الإيراني وحصر أنشطته ضمن الاستخدامات السلمية والمدنية.
ووفق المصادر، تهدف الخطة إلى إعادة تصنيف المنشآت والمواقع النووية الإيرانية بما يتوافق مع الاحتياجات المدنية، مع فتح الباب أمام برامج دعم وتمويل واستثمارات دولية وإقليمية توفر لطهران مكاسب اقتصادية مقابل الالتزام بالمسار الجديد.
تفتيش قبل التنفيذ
وتسعى واشنطن إلى أن تحدد الجولة المقبلة من المحادثات التقنية آليات عمل مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يسمح بتقييم الوضع الحالي لـ المنشآت النووية الإيرانية وقدراتها الفنية بصورة دقيقة.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الجهود الرامية لمعالجة ملف اليورانيوم عالي التخصيب وإعادة تنظيم عمل المفاعلات والمراكز النووية ضمن حدود الاستخدامات المدنية.
لجنة مشتركة
وبحسب مصادر مطلعة، من المنتظر تشكيل لجنة فنية تضم خبراء أميركيين وإيرانيين وممثلين عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تتولى وضع التصورات العملية لإعادة هيكلة المنشآت النووية وتحديد آليات الرقابة والتفتيش المستقبلية.
كما ستناقش اللجنة الجوانب المتعلقة بتشغيل المفاعلات والمراكز البحثية بعد تسوية ملف التخصيب والمخزون النووي الحالي.
حوافز مالية واستثمارية
وتتضمن الرؤية الأميركية طرح برامج منح ودعم فني ضمن أي اتفاق نهائي محتمل، بهدف تمكين إيران من الاستفادة من بنيتها النووية الحالية في مشاريع مدنية تشمل الطاقة والأبحاث والتطبيقات الطبية، تحت إشراف دولي مباشر.
وترى واشنطن أن هذا المسار قد يوفر حوافز اقتصادية تساعد في تحويل البرنامج النووي من مصدر توتر سياسي إلى منصة للتعاون والاستثمار.
ما بعد التخصيب
وبالتوازي مع ذلك، أكد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، قرب انطلاق محادثات مع إيران لتحديد ترتيبات التفتيش والآليات الفنية المرتبطة بتنفيذ الالتزامات النووية المقبلة.
ويشير مراقبون إلى أن المفاوضات الحالية لم تعد تركز فقط على منع امتلاك سلاح نووي، بل على إعادة صياغة البنية الكاملة للبرنامج النووي الإيراني بطريقة تجعل أي نشاط مستقبلي قابلاً للتحقق والرقابة الدولية.
منشآت جديدة... بوظائف مختلفة
يرى خبراء أن السيناريو الأكثر واقعية لا يقوم على تفكيك منشآت رئيسية مثل منشأة نطنز النووية ومنشأة فوردو النووية، بل على إعادة توظيفها كمراكز أبحاث مدنية أو منشآت لإنتاج النظائر الطبية والتطبيقات العلمية السلمية.
ويعتبر هؤلاء أن هذه الصيغة تتيح لإيران الاحتفاظ ببنيتها العلمية والتقنية، مع إزالة أي أبعاد مرتبطة بالاستخدامات العسكرية المحتملة.
اختبار سياسي حاسم
يرى محللون أن مفاوضات جنيف تتجاوز حدود التسوية النووية التقليدية، لتشكل محاولة لصياغة نموذج جديد للعلاقة بين إيران والغرب قائم على الردع المنضبط والرقابة المستدامة.
إذا نجحت هذه المساعي، فقد يتحول البرنامج النووي الإيراني من ملف صراع مزمن إلى مشروع مدني يخضع لإشراف دولي واسع ويستفيد من شراكات اقتصادية واستثمارية طويلة الأمد. أما في حال تعثر المفاوضات، فإن الخلافات التقنية ستعود لتتحول مجدداً إلى أزمة سياسية وأمنية مفتوحة، في واحدة من أكثر الملفات حساسية على الساحة الدولية.