النيران تكشف حدود التفاهمات بين دمشق وقسد

2026.06.25 - 10:52
Facebook Share
طباعة

الكارثة تفتح ملف التنسيق مجدداً
أعادت موجة الحرائق الواسعة التي اجتاحت مناطق في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا النقاش حول مستقبل دمج مؤسسات "الإدارة الذاتية" ضمن مؤسسات الدولة السورية، بعدما كشفت الكارثة الزراعية عن استمرار العمل ضمن منظومتين منفصلتين في مجالات الطوارئ والإطفاء والاستجابة الإنسانية.
ويرى عاملون في قطاع الإنقاذ ومختصون أن غياب غرفة عمليات مشتركة بين دمشق و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) أدى إلى إبطاء الاستجابة في منطقة تعد من أهم المراكز الزراعية في البلاد، في وقت تواجه فيه سوريا تحديات متزايدة مرتبطة بالأمن الغذائي والتغيرات المناخية.


حرائق واسعة... وخسائر تتصاعد
ضربت الحرائق مساحات واسعة من ريف الحسكة، ولا سيما مناطق تل تمر وزركان، ما أدى وفق بيانات محلية إلى احتراق نحو 75 ألف دونم من الأراضي الزراعية في 23 قرية، إضافة إلى تضرر عشرات المنازل واحتراق 22 محركاً لآبار الري.
وتزامنت الحرائق مع ذروة موسم الحصاد، ما ضاعف من حجم الخسائر بالنسبة للمزارعين الذين يعتمدون على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل، وسط مخاوف من تأثيرات إضافية على الأمن الغذائي في المنطقة.


منظومتان للطوارئ دون غرفة مشتركة
تعمل فرق الإطفاء في شمال شرقي سوريا ضمن هيكل تابع لـ"الإدارة الذاتية"، بعيداً عن وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السورية، رغم مرور أكثر من عام على الاتفاقات المعلنة بشأن مسار الاندماج بين الحكومة السورية و"قسد".
وقال مدير فوج الإطفاء في القامشلي حسين محمد إن فرق الإطفاء المحلية تواصل عملها على مدار الساعة، لكنها تواجه تحديات تتعلق بضعف الاتصالات، وصعوبة تحديد مواقع الحرائق بدقة، إضافة إلى عراقيل ميدانية تؤثر على سرعة الوصول.
وأوضح أن أفواج الإطفاء لا تزال مرتبطة بالبلديات التابعة للإدارة الذاتية، مشيراً إلى أن عملية الدمج مع المؤسسات الحكومية لم تبدأ فعلياً، باستثناء إجراءات أولية تتعلق بحصر أعداد العاملين.


تنسيق محدود في مواجهة الكوارث
وأشار مسؤولون محليون إلى وجود اتصالات محدودة مع الجهات الحكومية السورية، خصوصاً خلال بعض الحرائق السابقة، إلا أن هذه الاتصالات لم تتحول إلى آلية عمل مشتركة أو غرفة عمليات موحدة لإدارة الأزمات.
وأكد مسؤول غرفة العمليات في "الهلال الأحمر الكردي" خبات دوغان أن فرق الإسعاف والطوارئ التابعة للمنظمة تعمل بالتنسيق مع البلديات وأفواج الإطفاء المحلية، وتتعامل خصوصاً مع حالات الاختناق والحروق الناجمة عن الحرائق.
وأضاف أن المنظمة لا تزال تفتقر إلى أي تنسيق مباشر مع وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السورية، معرباً عن أمله في إنشاء آليات تعاون مستقبلية ترفع مستوى الاستجابة في الحوادث الكبرى.


الحريق يعيد سؤال الاندماج
يرى مراقبون أن الحرائق الأخيرة تجاوزت كونها كارثة طبيعية لتصبح اختباراً عملياً لقدرة المؤسسات السورية المختلفة على العمل المشترك، خصوصاً في المناطق التي تشهد ترتيبات سياسية وأمنية معقدة.
ويشير خبراء إلى أن استمرار الفصل الإداري بين مؤسسات الطوارئ في شمال شرقي سوريا ودمشق يحد من فعالية التعامل مع الأزمات، في منطقة تحتاج إلى إمكانات أكبر بسبب مساحتها الزراعية الواسعة وحساسيتها الاقتصادية.


أرقام رسمية لا تعكس كامل الخسائر
وأعلنت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السورية تسجيل مئات الحرائق الزراعية خلال الأسابيع الماضية في عدد من المحافظات، بينها الحسكة والرقة وحماة وإدلب ودرعا ودير الزور.
وبحسب بيانات الوزارة، تضرر أكثر من ألفي دونم من القمح والشعير في الحسكة، إضافة إلى مساحات أخرى من المحاصيل في الرقة ومناطق مختلفة.
لكن عمال في القطاع يؤكدون أن هذه الأرقام لا تشمل جميع الحرائق التي وقعت في مناطق شمال شرقي البلاد، ما يرجح أن تكون الخسائر الفعلية أكبر من المعلن.


تحديات الأمن الغذائي
تأتي هذه التطورات في وقت تحذر فيه جهات أممية من هشاشة القطاع الزراعي السوري، بعد سنوات طويلة من النزاع والجفاف والأزمات الاقتصادية، ما يجعل تكرار الحرائق عاملاً إضافياً يهدد مصادر الغذاء ومعيشة آلاف العائلات.
ويرى مراقبون أن تعزيز التعاون بين المؤسسات المحلية والحكومة السورية بات ضرورة ملحة لتقليل آثار الكوارث، خصوصاً في المناطق الزراعية التي تمثل ركيزة أساسية للاقتصاد المحلي.


النار تختبر السياسة
تكشف حرائق الحسكة أن ملف الاندماج بين دمشق و"قسد" لا يرتبط فقط بالترتيبات السياسية والأمنية، بل يمتد إلى قدرة المؤسسات على حماية السكان والاستجابة للكوارث.
وبينما تستمر الحرائق الموسمية في تهديد الأراضي الزراعية، يبقى غياب منظومة طوارئ موحدة أحد أبرز التحديات أمام بناء استجابة وطنية قادرة على مواجهة الأزمات في سوريا

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 2