طهران تفاوض وتُهدد.. ازدواجية الرسائل بعد الحرب

2026.06.24 - 16:54
Facebook Share
طباعة

مساران في وقت واحد
رغم استمرار المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة لتنفيذ مذكرة التفاهم التي أعقبت الحرب الأخيرة، تواصل طهران إطلاق رسائل سياسية وعسكرية عالية السقف تجاه واشنطن وتل أبيب، في مشهد يعكس اعتمادها مقاربة مزدوجة تجمع بين الانخراط الدبلوماسي والحفاظ على أدوات الردع الإقليمية.


مفاوضات مستمرة
تتواصل في سويسرا الاجتماعات السياسية والفنية بين الجانبين بوساطة قطرية وباكستانية، بهدف متابعة تنفيذ بنود مذكرة التفاهم والانتقال إلى مراحل أكثر تفصيلاً من التفاوض خلال الأسابيع المقبلة.
وفي الوقت الذي تركز فيه القنوات الدبلوماسية على تثبيت التهدئة ومنع العودة إلى المواجهة العسكرية، تؤكد المؤسسة الأمنية والعسكرية الإيرانية أن الاتفاق الحالي لا يمثل تحولاً استراتيجياً في طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة، بل ترتيبات مرحلية مرتبطة بالتزام الأطراف ببنود التفاهم.


رسائل ردع متواصلة
خلال الأيام الأخيرة، صدرت سلسلة من التصريحات التصعيدية عن مسؤولين عسكريين وأمنيين إيرانيين، حملت رسائل مباشرة إلى إسرائيل والولايات المتحدة.
فقد وجه قائد فيلق القدس العميد إسماعيل قاآني خطاباً باللغة العبرية إلى القوات الإسرائيلية، حذر فيه من استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان، مستحضراً تجربة الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 باعتبارها نموذجاً لما وصفه بقدرة "المقاومة" على فرض معادلات استراتيجية في المنطقة.
كما ربط مسؤولون إيرانيون بين أي عمليات عسكرية إسرائيلية في لبنان وبين المسؤولية الأميركية، معتبرين أن أي تصعيد جديد قد ينعكس مباشرة على مستقبل التفاهمات القائمة.


هرمز كورقة ضغط
وفي موازاة ذلك، أعاد مسؤولون إيرانيون التذكير بأهمية مضيق هرمز ضمن معادلة الردع الإقليمية.
وأكد رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني إبراهيم عزيزي أن المضيق سيبقى أحد أبرز عناصر القوة الاستراتيجية التي تمتلكها طهران، مشيراً إلى أن موقعه الحيوي يمنح إيران نفوذاً مؤثراً في أي معادلات أمنية أو اقتصادية إقليمية.
ويأتي ذلك في وقت تتواصل فيه المشاورات الإيرانية – العُمانية بشأن مستقبل إدارة الملاحة في المضيق وآليات الحفاظ على أمنه واستقراره.


شكوك متبادلة
من جهته، شدد وزير الدفاع الإيراني بالوكالة العميد ماجد ابن الرضا على أن المؤسسة العسكرية الإيرانية لا تزال تنظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها طرفاً يصعب الوثوق به، محذراً من أن أي خرق محتمل للاتفاق سيقابل برد حازم.
وتعكس هذه المواقف حجم الحذر الذي يطبع مقاربة الأجهزة العسكرية الإيرانية، والتي تنظر إلى الاتفاق الحالي باعتباره خطوة تكتيكية فرضتها ظروف ما بعد الحرب أكثر من كونه بداية لمسار تطبيع أو تقارب طويل الأمد مع واشنطن.


استراتيجية المسارين
ويرى محللون أن طهران تعتمد حالياً ما يمكن وصفه بـ"استراتيجية المسارين"، إذ تواصل التفاوض عبر القنوات السياسية والدبلوماسية من جهة، وتحافظ في الوقت نفسه على خطاب ردعي مرتفع السقف من جهة أخرى.
وتستند هذه المقاربة إلى قناعة داخل دوائر صنع القرار الإيراني بأن الاحتفاظ بأوراق القوة في لبنان ومضيق هرمز وسائر ساحات النفوذ الإقليمي يمنح البلاد موقعاً تفاوضياً أفضل ويحول دون تقديم تنازلات مجانية خلال المفاوضات.
كما أن هذا النهج ليس جديداً على السياسة الإيرانية، إذ رافقت المفاوضات النووية السابقة رسائل عسكرية وتحركات إقليمية مماثلة هدفت إلى تعزيز الموقف التفاوضي الإيراني.


خلافات داخلية في المقاربة
في المقابل، يبدي بعض التيارات الأكثر اعتدالاً داخل إيران تحفظات على استمرار الخطاب التصعيدي، معتبرة أن الرسائل العسكرية المتشددة قد تثير تساؤلات بشأن جدية الالتزام بالتفاهمات الجارية.
ويعكس هذا التباين وجود رؤيتين داخل النظام الإيراني؛ الأولى تقودها المؤسسات الدبلوماسية وتسعى إلى توسيع مساحة التفاهمات، والثانية تتبناها مراكز القوة الأمنية والعسكرية التي تركز على منع تحول الاتفاق إلى قيد استراتيجي يحد من قدرة إيران على المناورة أو الرد مستقبلاً.


هدنة لا تسوية
في المحصلة، تبدو مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، وفق الرؤية السائدة داخل المؤسسة الأمنية الإيرانية، أقرب إلى هدنة سياسية وأمنية مُدارة منها إلى تسوية نهائية للصراع.
وبينما تُستخدم الدبلوماسية لخفض التوتر وفتح قنوات التواصل، تواصل طهران توظيف خطاب الردع كجزء من استراتيجية التفاوض نفسها، ما يشير إلى أن الاتفاق الحالي لا يمثل نهاية الخلافات، بل محطة مؤقتة ضمن صراع أوسع ما زالت ملفاتُه الأساسية مفتوحة على احتمالات متعددة. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 8