ذكرى تعيد الأسئلة
بعد عام على الهجوم الانتحاري الذي استهدف كنيسة مار إلياس في ضاحية الدويلعة بدمشق، وأسفر عن مقتل 25 شخصاً وإصابة 63 آخرين، لا تزال تداعيات الحادث تلقي بظلالها على المجتمع المسيحي في سوريا، وسط استمرار المخاوف المرتبطة بالوضع الأمني وتنامي التساؤلات حول مستقبل الأقليات في مرحلة ما بعد الحرب.
الهجوم الأكثر دموية
ويُعد تفجير كنيسة مار إلياس، الذي وقع خلال قداس يوم الأحد في 22 حزيران/يونيو 2025، من أكثر الهجمات دموية التي استهدفت المسيحيين في سوريا خلال السنوات الأخيرة. وبحسب الرواية الرسمية، دخل المهاجم إلى الكنيسة وأطلق النار على المصلين قبل أن يفجر نفسه داخلها، ما أدى إلى سقوط عشرات الضحايا بين قتيل وجريح.
وأعلنت السلطات السورية آنذاك أن التحقيقات الأولية أظهرت تورط خلية مرتبطة بتنظيم "داعش" في تنفيذ العملية، مؤكدة اعتقال عدد من المشتبه بهم وقتل أحد أبرز المتورطين في تسهيل دخول المنفذ إلى موقع الهجوم.
رسائل أبعد من المسيحيين
عقب التفجير، أكدت وزارة الداخلية السورية أن الهجوم لم يكن موجهاً ضد المسيحيين وحدهم، بل استهدف جميع السوريين بمختلف انتماءاتهم، مشيرة إلى أن الأجهزة الأمنية كانت قد أحبطت في وقت سابق مخططات استهدفت مواقع دينية أخرى، بينها مقام السيدة زينب وكنيسة في بلدة معلولا.
كما تعهدت السلطات بملاحقة جميع المسؤولين عن العملية، فيما أعلن الرئيس الانتقالي أحمد الشرع حينها تعبئة الأجهزة المختصة لملاحقة المشاركين في التخطيط والتنفيذ وتقديمهم إلى العدالة.
قلق مستمر داخل المجتمع المسيحي
ورغم الإجراءات الأمنية التي أعقبت الهجوم، لا تزال حالة القلق حاضرة داخل الأوساط المسيحية، بحسب ما أوردته صحيفة "واشنطن بوست"، التي رأت أن التفجير أعاد فتح ملف أمن الأقليات ومستقبل وجودها في البلاد.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين دينيين محليين أن عدد المسيحيين في سوريا تراجع من أكثر من 1.5 مليون شخص قبل عام 2011 إلى نحو 400 ألف فقط حالياً، نتيجة سنوات الحرب والنزوح والهجرة.
وقال أسقف الكنيسة السريانية الأرثوذكسية أوجين الكاس إن المخاوف داخل المجتمع المسيحي لا ترتبط بالهجوم بحد ذاته فقط، بل بما قد يحمله المستقبل، مشيراً إلى أن الشعور بعدم اليقين ما زال سائداً لدى شريحة واسعة من أبناء الطائفة.
أحداث تزيد الهواجس
وتزامنت ذكرى التفجير مع استمرار حوادث العنف الطائفي في مناطق مختلفة من سوريا خلال العام الماضي، حيث شهد الساحل السوري أعمال عنف دامية في آذار/مارس 2025، فيما اندلعت مواجهات في الجنوب خلال أيار/مايو بين مسلحين محليين ومجموعات موالية للحكومة.
ويرى مراقبون أن هذه التطورات ساهمت في تعزيز المخاوف لدى الأقليات الدينية، ودعمت الدعوات المطالبة بتوفير ضمانات أمنية وقانونية أوسع لحماية المكونات المختلفة في البلاد.
العدالة والطمأنينة
من جهته، اعتبر الباحث في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى آرون واي زيلين أن الإجراءات الأمنية السريعة التي أعقبت التفجير، إلى جانب إعادة ترميم الكنيسة، ساعدت في احتواء جزء من المخاوف، إلا أن تحقيق الاستقرار الكامل يتطلب مساراً أشمل للعدالة الانتقالية والمحاسبة.
عام من الانتظار
وبعد مرور عام على تفجير كنيسة مار إلياس، ما زال الملف يتجاوز حدود الجريمة الأمنية ليطرح أسئلة أعمق تتعلق بمستقبل التعايش والاستقرار وحماية الأقليات في سوريا، في وقت يترقب فيه كثيرون خطوات عملية تعزز الثقة وتبدد الهواجس التي خلفها أحد أكثر الهجمات دموية في تاريخ المسيحيين السوريين الحديث.