تفاهم أنقرة وطهران يعيد رسم التوازنات

2026.06.23 - 10:45
Facebook Share
طباعة

منذ التحول السياسي الذي شهدته سوريا، باتت العلاقة بين دمشق وبيروت جزءاً من شبكة معقدة من التوازنات الإقليمية التي أعادت تشكيلها الحرب الأخيرة والتطورات المتسارعة في المنطقة خلال الأشهر الماضية. فبعد سنوات طويلة اعتُبرت فيها الساحة اللبنانية إحدى أبرز ميادين الاشتباك غير المباشر بين القوى الإقليمية، بدأت مؤشرات متزايدة تظهر توحي بأن لبنان يتجه تدريجياً من ساحة صراع مفتوح إلى مساحة تقاطع مصالح بين أطراف متعددة.

 

دمشق تعيد صياغة مقاربتها للبنان

في هذا الإطار، اكتسبت التصريحات الأخيرة للرئيس السوري أحمد الشرع أهمية لافتة، إذ جاءت متضمنة إشارات غير مسبوقة إلى ضرورة طمأنة البيئة الشيعية وفتح قنوات الحوار مع حزب الله. كما عكست هذه المواقف توجهاً سورياً جديداً يقوم على تجنب الانخراط المباشر في الصراعات الداخلية اللبنانية، بما يتقاطع – بحسب مصادر سياسية – مع رؤية الرئيس الأميركي دونالد ترامب الداعية إلى ضبط مستويات التصعيد في المنطقة.

 

وتشير مصادر سياسية مطلعة على الاتصالات بين بيروت ودمشق إلى أن القيادة السورية الجديدة أبلغت أكثر من طرف لبناني خلال الأشهر الماضية بأنها لا ترى مصلحة لسوريا في الدخول في أي مواجهة سياسية أو أمنية مع حزب الله، وأن أولوياتها تتركز على تثبيت الاستقرار الداخلي، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإنعاش الاقتصاد السوري الذي أنهكته الحرب.

 

رهانات خارجية لم تتحول إلى سياسة

تزامن هذا التحول مع تسريبات سياسية وإعلامية غربية تحدثت عن محاولات أميركية وإسرائيلية لبحث دور سوري محتمل في ترتيبات أمنية جديدة تخص لبنان، وصولاً إلى تداول معلومات عن رغبة بعض الدوائر المقربة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب في دفع دمشق للعب دور ضاغط على حزب الله داخل الساحة اللبنانية.

 

إلا أن مصادر متابعة للعلاقات السورية – الأميركية تؤكد أن هذا الطرح لم يتجاوز مستوى النقاشات غير الرسمية، ولم يتحول إلى مشروع قابل للتطبيق، موضحة أن القيادة السورية تدرك أن أي مواجهة مباشرة مع حزب الله قد ترتد سلباً على الاستقرار الداخلي في سوريا نفسها قبل أن تؤثر على ميزان القوى في لبنان أو على الحزب.

 

موقف سوري ثابت: لا صدامات إقليمية

وبحسب مصادر دبلوماسية، فإن دمشق أبلغت خلال الفترة الماضية أكثر من جهة دولية بأنها غير معنية بالدخول في أي مشروع يستهدف خلق صدام سوري ـ لبناني أو سوري ـ شيعي، وأنها تفضل معالجة الملفات العالقة عبر قنوات سياسية وأمنية مباشرة بعيداً عن التصعيد.

 

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا الموقف السوري شكّل مفاجأة لعدد من الأطراف الإقليمية التي كانت تراهن على أن التغيرات السياسية في سوريا ستقود إلى إعادة رسم شاملة للعلاقة مع حزب الله وإيران.

 

تركيا وإيران… إدارة خلافات لا تفجيرها

في موازاة ذلك، تبدو العلاقة بين إيران وتركيا أحد المفاتيح الأساسية لفهم المشهد الإقليمي الجديد. فعلى الرغم من التنافس التاريخي بين البلدين في عدة ملفات إقليمية، فإن الأشهر الأخيرة أظهرت قدرة واضحة على إدارة الخلافات ومنع تحولها إلى صدام مباشر.

 

وتؤكد مصادر متابعة أن أنقرة وطهران تتشاركان اليوم مصلحة استراتيجية في منع أي فوضى جديدة في سوريا أو لبنان، باعتبار أن أي انفجار واسع في هذين البلدين ستكون له تداعيات مباشرة على الأمن القومي لكلا الطرفين.

 

تفاهم غير معلن يعيد رسم التوازنات

من هذا المنطلق، تنظر أوساط سياسية لبنانية إلى مستوى التنسيق غير المعلن بين تركيا وإيران باعتباره أحد العناصر الجديدة في معادلة الاستقرار الإقليمي. فتركيا، التي عززت نفوذها داخل الساحة السورية، لا تبدو في وارد الدخول في مواجهة مع حزب الله أو إيران، فيما تدرك طهران أهمية الدور التركي في ضبط التوازنات داخل سوريا ومنع انزلاقها نحو الفوضى.

 

وتفيد مصادر مطلعة على قنوات التواصل بين الجانبين بوجود إدراك مشترك بأن أي تصعيد إقليمي جديد لن يخدم سوى خصوم الطرفين، وفي مقدمتهم إسرائيل، بينما سيقوّض المكاسب التي راكمها كل طرف خلال السنوات الماضية.

 

لبنان بين التهدئة واحتمالات الانفجار

في المقابل، ينعكس هذا التقارب بشكل مباشر على الساحة اللبنانية. فكلما تراجعت احتمالات الصدام بين إيران وتركيا، تقلصت فرص استخدام لبنان كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. كما أن تعزيز التفاهم بين دمشق وطهران وأنقرة يساهم في تثبيت الاستقرار على الحدود اللبنانية ـ السورية، وكذلك على الجبهة الجنوبية.

 

وترى مصادر سياسية أن الحديث عن دور سوري عسكري أو أمني مباشر ضد حزب الله بات أقرب إلى الطروحات النظرية أو الرغبات السياسية لبعض الأطراف، وليس إلى معطيات واقعية، ما لم تطرأ تغييرات كبرى على مستوى التوازنات الإقليمية.

 

معادلات جديدة في المنطقة

وتضيف المصادر أن معادلات المنطقة الحالية تختلف جذرياً عن تلك التي كانت سائدة في السنوات الماضية، إذ تسعى سوريا الجديدة إلى تثبيت الاستقرار، فيما تعمل تركيا على تعزيز نفوذها الإقليمي، وتحرص إيران على حماية شبكة حلفائها، في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة منع انفجار أزمات جديدة قد تقوّض مسارات التهدئة القائمة في أكثر من ساحة.

 

نحو مرحلة تفاهمات أوسع

وبناءً على هذه التطورات، تشير التقديرات إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد انتقال العلاقة بين دمشق وحزب الله من إدارة الضرورات الأمنية إلى مسار أكثر وضوحاً يقوم على تفاهمات غير مباشرة أو منظمة، خاصة في حال استمرار التقدم في التفاهمات الإيرانية ـ التركية، ونجاح المفاوضات بين واشنطن وطهران في تثبيت التهدئة في لبنان.

 

استقرار هش وتوازنات قيد التشكل

في المحصلة، يبدو المشهد الإقليمي في طور إعادة تشكل هادئة ولكن عميقة، حيث تتداخل الحسابات السورية والتركية والإيرانية والأميركية في صياغة توازنات جديدة، يبقى فيها لبنان نقطة حساسة تتأثر بكل تغيير في اتجاهات الرياح السياسية، دون أن تكون بالضرورة ساحة الانفجار المقبلة. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى

أبرز العناوين ذات الصلة:


انقرة طهران دمشق حزب الله لبنان احمد الشرع

اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 1