تتجه الحكومة العراقية إلى تعزيز صادراتها النفطية عبر الأراضي السورية وميناء بانياس على البحر المتوسط، في إطار مساعيها لتأمين مسارات بديلة لصادرات الطاقة بعد الاضطرابات التي شهدتها طرق الشحن في الخليج نتيجة التصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران.
وتشمل الخطط العراقية تصدير النفط الخام ومادة "النفتا" عبر الموانئ السورية، في خطوة توسع التعاون القائم بين بغداد ودمشق، والذي اقتصر خلال الفترة الماضية على تصدير زيت الوقود عبر ميناء بانياس.
تجهيزات جديدة في ميناء بانياس
تعمل الجهات المختصة في سوريا على رفع جاهزية ميناء بانياس لاستقبال كميات إضافية من النفط العراقي، حيث تستعد لافتتاح منطقتين جديدتين لتفريغ النفط ومرافق لوجستية مساندة خلال الأيام المقبلة.
وأكد مسؤولون في قطاع الطاقة السوري أن هذه التوسعات تستهدف استيعاب شحنات النفط الخام و"النفتا" القادمة من العراق، بالتزامن مع استمرار عمليات التفريغ والنقل في الميناء.
وأوضح مدير إدارة الإعلام في الشركة السورية للبترول، محمد الأحدب، أن ميناء بانياس يملك حاليًا قدرة تشغيلية تسمح بتفريغ نحو 900 شاحنة يوميًا، مشيرًا إلى أن العمليات الجارية لم تتأثر بالمتغيرات الإقليمية الأخيرة.
وكان العراق قد بدأ منذ نيسان الماضي نقل شحنات من النفط الخام عبر الأراضي السورية من خلال منفذ الوليد الحدودي، حيث يتم تخزين الكميات الواردة في خزانات مخصصة داخل مصفاة بانياس قبل إعادة ضخها إلى المرسى النفطي وتحميلها على الناقلات البحرية المعدة للتصدير.
استراتيجية عراقية لتنويع منافذ التصدير
مصادر في قطاع النفط العراقي أكدت أن مشروع التصدير عبر سوريا لا يرتبط فقط بالظروف الحالية في الخليج، بل يأتي ضمن استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تقليل الاعتماد على منفذ تصدير واحد.
وقال المتحدث باسم وزارة النفط العراقية، سليم الركابي، إن الحكومة العراقية تولي أهمية كبيرة لتنويع منافذ تصدير النفط، لافتًا إلى استمرار التنسيق مع الجانب السوري لتوسيع عمليات النقل والتصدير عبر الأراضي السورية.
وأضاف أن شركة تسويق النفط العراقية "سومو" تواصل مباحثاتها مع الجهات السورية لتطوير آليات العمل وزيادة حجم الصادرات التي يمكن تمريرها عبر هذا المسار.
انطلاق الشحنات خلال تموز
بحسب مسؤولين في وزارة النفط العراقية، من المتوقع أن تبدأ صادرات النفط الخام عبر سوريا بمعدل أولي يصل إلى 50 ألف برميل يوميًا فور اكتمال تجهيز منشآت التحميل.
كما تشير التقديرات إلى أن عمليات النقل ستنطلق مع بداية تموز المقبل باستخدام الشاحنات، فيما تستعد شركة "سومو" لافتتاح مكاتب لها في مدينة بانياس لمتابعة العمليات اللوجستية والإدارية المرتبطة بالتصدير.
ويُعد العراق من أكبر منتجي النفط في منظمة "أوبك"، إذ يبلغ متوسط صادراته نحو 3.6 مليون برميل يوميًا، كانت الحصة الأكبر منها تمر عبر موانئ البصرة جنوب البلاد قبل التطورات الأخيرة في المنطقة.
عوائد إضافية لسوريا
يمثل المشروع مصدر دخل إضافيًا لسوريا من خلال الرسوم المرتبطة بعبور الشحنات النفطية والخدمات اللوجستية المقدمة داخل الأراضي السورية.
وكانت شركة "سومو" قد أبرمت خلال نيسان الماضي عقودًا لتوريد نحو 650 ألف طن من زيت الوقود شهريًا عبر سوريا، ضمن برنامج استمر حتى حزيران الجاري.
وتشير البيانات المتاحة إلى أن العراق صدر خلال عام 2024 نحو 18 مليون طن من زيت الوقود، بمعدل شهري بلغ نحو 1.5 مليون طن، فيما حافظت الصادرات خلال الأشهر الأولى من عام 2025 على مستويات قريبة من تلك الأرقام.
وأكد مسؤولون عراقيون أن الرسوم المرتبطة بمرور الشحنات داخل سوريا تُدفع من قبل المشترين والوسطاء العاملين في عمليات التصدير، وليس بشكل مباشر من شركة "سومو".
كما أظهرت بيانات الشحن أن كميات من زيت الوقود العراقي التي مرت عبر الأراضي السورية وصلت إلى أسواق في أوروبا وإفريقيا، بما في ذلك شحنات اتجهت إلى مصر خلال الفترة الأخيرة.
تحديات لوجستية أمام المشروع
رغم التوسع المتسارع في عمليات النقل، لا تزال البنية التحتية تشكل أحد أبرز التحديات أمام المشروع، في ظل الأضرار التي لحقت بشبكات الطرق وخطوط النقل خلال سنوات الحرب.
وشهدت الطرق المؤدية إلى ميناء بانياس خلال الأشهر الماضية ازدحامًا كبيرًا نتيجة تزايد أعداد الشاحنات العراقية، فيما سُجلت حوادث مرورية وتسربات وقود على بعض المحاور الرئيسية.
كما واجهت عمليات النقل في بعض الفترات احتجاجات محلية في مناطق شمال شرقي سوريا بسبب الأوضاع الاقتصادية وارتفاع أسعار الوقود.
وبحسب مصادر مطلعة على عمليات النقل في بانياس، فإن زيت الوقود العراقي لا يخضع للتكرير داخل المصفاة، بل يُفرغ في خزانات تخزين مخصصة قبل إعادة ضخه مباشرة إلى الناقلات البحرية المتجهة نحو الأسواق الخارجية.
إعادة تأهيل خطوط الأنابيب
بالتوازي مع عمليات النقل البري، تعمل الجهات السورية على إعادة تأهيل خطوط الأنابيب المتضررة بهدف تقليل الاعتماد على الشاحنات ورفع كفاءة عمليات النقل.
وأفاد مسؤولون في وزارة الطاقة السورية بأن خط الأنابيب الرابط بين العراق وسوريا يمتلك قدرة نظرية تصل إلى 300 ألف برميل يوميًا بعد استكمال أعمال الصيانة والتأهيل.
ويُنظر إلى هذا المشروع باعتباره خطوة مهمة لتعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين وتطوير دور الموانئ السورية في حركة تجارة الطاقة الإقليمية.
خطط توسعية في بانياس
وزارة النفط العراقية كانت قد أعلنت في أيار الماضي إطلاق برنامج موسع لتصدير النفط الأسود عبر ميناء بانياس، ضمن خطة تستهدف فتح أسواق جديدة وتعزيز الإيرادات المالية.
وأكدت الوزارة أن الطلب العالمي على المشتقات النفطية المنتجة من النفط الأسود، ولا سيما البنزين عالي الأوكتان، يشجع على توسيع عمليات التصدير خلال المرحلة المقبلة.
وفي السياق ذاته، رفعت الشركة السورية للبترول القدرة التشغيلية لتفريغ صهاريج النفط العراقية في مصفاة بانياس بنحو 30%، مع زيادة عدد الصهاريج المستقبلة يوميًا من 300 إلى نحو 500 صهريج.
وجاء ذلك بعد تنفيذ أعمال هندسية ولوجستية جديدة أتاحت تسريع عمليات التفريغ والضخ المباشر إلى الخزانات، الأمر الذي ساهم في تقليص زمن العمل ورفع كفاءة الإمدادات النفطية.