لم تولد مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران من جلسة تفاوض واحدة أو اختراق دبلوماسي مفاجئ، بل جاءت نتيجة أسابيع من الوساطات المكثفة والضغوط السياسية والعسكرية التي وضعت الاتفاق أكثر من مرة على حافة الانهيار، قبل أن ينجح الوسطاء في انتزاع تفاهم أولي أنهى الحرب وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المفاوضات.
بينما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من البيت الأبيض انتهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، كشفت تقارير غربية أن الاتفاق ظل حتى اللحظات الأخيرة محاطاً بحالة من الغموض، في ظل استمرار الخلافات حول ملفات رئيسية تشمل البرنامج النووي الإيراني والعقوبات الأمريكية وترتيبات الأمن الإقليمي.
وتشير تقارير نشرتها مؤسسات إعلامية بينها بلومبيرغ وفايننشال تايمز إلى أن الوساطة القطرية بدأت قبل نحو أربعة أسابيع من الإعلان عن الاتفاق، بمشاركة جهود موازية قادتها قطر وباكستان ومصر وتركيا لاحتواء التصعيد ومنع توسع الحرب.
وبحسب تلك الروايات، ركز الوسطاء في البداية على بناء الثقة بين الطرفين، بعدما سادت في طهران مخاوف من استغلال المفاوضات كغطاء لتحركات عسكرية أمريكية أو إسرائيلية جديدة.
ومع تقدم الاتصالات، واجه المسار التفاوضي أول اختبار حقيقي عندما ترددت معلومات عن دراسة واشنطن تنفيذ ضربات إضافية ضد إيران، الأمر الذي دفع قادة قطر والسعودية والإمارات إلى التواصل مع ترامب وحثه على منح الدبلوماسية مزيداً من الوقت.
شكلت ثلاثة ملفات العقدة الأساسية في المفاوضات، تمثلت في وقف الحرب، ومستقبل اليورانيوم عالي التخصيب، ومصير الملاحة في مضيق هرمز الذي تحول إلى إحدى أبرز أوراق الضغط المتبادلة بين الجانبين.
ووفق التسريبات، أبدت طهران استعداداً لمناقشة ترتيبات تتعلق بمخزون اليورانيوم عالي التخصيب، بينما وافقت واشنطن على بحث آلية تدريجية لتخفيف العقوبات مرتبطة بمسار المفاوضات اللاحقة.
ورغم ذلك، لم تنجح جولات التفاوض الأولى في الوصول إلى اتفاق نهائي، إذ غادر مسؤولون إيرانيون كبار الدوحة أكثر من مرة دون التوصل إلى صيغة نهائية، ما دفع الوسطاء إلى تكثيف تحركاتهم بين العواصم المعنية.
حضر الملف اللبناني بقوة خلال المحادثات، بعدما أصرت إيران على إدراج جبهة جنوب لبنان ضمن ترتيبات وقف إطلاق النار، في وقت تمسكت فيه إسرائيل بحرية مواصلة عملياتها العسكرية ضد أهداف مرتبطة بـحزب الله.
وتسببت الضربات الإسرائيلية على لبنان في توترات إضافية داخل مسار التفاوض، خصوصاً بعد تهديدات إسرائيلية باستهداف مواقع داخل بيروت، ما دفع طهران إلى تعليق بعض الاتصالات لفترة قصيرة.
كما تحدثت تقارير إعلامية عن اتصالات متوترة بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بعدما رأت الإدارة الأمريكية أن استمرار الضربات قد يقوض فرص التوصل إلى اتفاق.
ولم تقتصر التهديدات على الجبهة اللبنانية، إذ شهدت منطقة مضيق هرمز حوادث عسكرية كادت تعيد المواجهة إلى نقطة الصفر، من بينها حادثة تعرض مروحية أمريكية لأضرار نتيجة اقتراب طائرة مسيرة إيرانية، أعقبها تبادل للضربات بين الجانبين.
وفي خضم تلك التطورات، كثف الوسطاء الإقليميون اتصالاتهم مع واشنطن وطهران، حيث أجرى أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير سلسلة اتصالات لإقناع
الأطراف بضرورة استكمال التفاوض.
جاءت الساعات الأخيرة من المفاوضات الأكثر تعقيداً، إذ استمرت الاجتماعات المكثفة في طهران لساعات طويلة وسط خلافات حول الصياغات النهائية وبعض البنود السياسية.
وتمكن الوسطاء في نهاية المطاف من التوصل إلى صيغة توافقية مهدت لإعلان الاتفاق، بينما بقيت الملفات الأكثر حساسية مؤجلة إلى جولات لاحقة من التفاوض.
كما أحاط الغموض بآلية التوقيع نفسها، بعدما تحدثت تقارير عن توقيع إلكتروني أولي سبق الإعلان الرسمي، قبل أن يظهر ترامب لاحقاً في قصر قصر فرساي معلناً توقيع الوثيقة التمهيدية بحضور قادة غربيين.
رغم الاحتفاء السياسي بالاتفاق، ما تزال ملفات أساسية تنتظر الحسم، أبرزها البرنامج النووي الإيراني، وآليات رفع العقوبات، ومستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة، ما يجعل مذكرة التفاهم الحالية خطوة أولى نحو تسوية أوسع، وليست نهاية نهائية للخلافات بين الطرفين.