أعادت المؤسسات السياسية الليبية ملف الانتخابات إلى صدارة المشهد بعد سنوات من الجمود والانقسام، إثر اعتماد رؤساء مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي خريطة طريق جديدة تنص على إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة، وتشكيل لجنة سيادية عليا للإشراف على المسار الانتخابي.

جاء الاتفاق في وقت لا تزال فيه ليبيا تعيش انقسامًا سياسيًا ومؤسساتيًا بين حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد في الشرق، إلى جانب النفوذ العسكري الواسع الذي تحتفظ به قوات المشير خليفة حفتر في مناطق الشرق والجنوب.
واعتمد كل من رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي وثيقة مبادئ تهدف إلى إنهاء المرحلة الانتقالية، واستكمال الإطارين الدستوري والقانوني للانتخابات، وتوحيد المؤسسات السيادية، إلى جانب تنفيذ إصلاحات اقتصادية ومالية.
يجمع الاتفاق بين المؤسسات الثلاث التي تمثل أبرز مكونات العملية السياسية الليبية منذ توقيع الاتفاق السياسي في الصخيرات عام 2015. فمجلس النواب يمثل السلطة التشريعية المعترف بها دوليًا ويتمتع بنفوذ واسع في شرق البلاد، بينما يشكل المجلس الأعلى للدولة شريكًا رئيسيًا في صياغة القاعدة الدستورية والقوانين الانتخابية. أما المجلس الرئاسي فيُفترض أن يمثل المؤسسة الجامعة للدولة الليبية فوق الانقسامات الجغرافية والسياسية.
تنص خريطة الطريق على إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن في موعد أقصاه 17 فبراير/شباط 2027، استنادًا إلى القوانين التي أعدتها لجنة 6+6، المؤلفة من ستة أعضاء عن مجلس النواب وستة عن المجلس الأعلى للدولة، والتي كُلفت منذ عام 2023 بإعداد القوانين المنظمة للعملية الانتخابية.
كما اعتمدت الوثيقة مخرجات حوارات بوزنيقة مرجعًا لتسمية المناصب السيادية وإعادة توحيدها، وهي الحوارات التي استضافها المغرب منذ عام 2020 وركزت على توزيع المناصب السيادية وآليات إدارة المرحلة الانتقالية.
تتضمن الخطة إنشاء لجنة سيادية عليا تشرف على الانتخابات، تضم رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وعضوين من اللجنة العسكرية المشتركة 5+5 من الشرق والغرب، إلى جانب ممثلين عن الجهات الأمنية المكلفة بتأمين الاقتراع.
وتُعد لجنة 5+5 أحد أبرز المسارات التي رعتها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية، إذ تضم ضباطًا من المؤسسة العسكرية في غرب ليبيا وممثلين عن قوات حفتر، وتعمل على تثبيت وقف إطلاق النار ودعم جهود توحيد المؤسسة العسكرية.

ولم تقتصر التفاهمات على الجانب السياسي، بل شملت ملفات اقتصادية وسيادية مهمة، من بينها رفض فك تجميد الأموال والأصول الليبية في الخارج قبل انتخاب رئيس من الشعب، ورفض أي مشاريع أو سياسات تؤدي إلى توطين المهاجرين داخل البلاد.
كذلك اتفقت الأطراف على وضع إطار قانوني جديد للرقابة على قطاعات النفط والغاز والمياه والمعادن، مع التأكيد على حصرية تسويق النفط عبر المؤسسة الوطنية للنفط، وحصرية تحصيل العائدات من خلال مصرف ليبيا المركزي.
تضمنت الوثيقة تشكيل لجنة فنية تتولى إعداد مشروع ميزانية موحدة لعام 2027 تُحال إلى مجلس النواب لاعتمادها، في خطوة تستهدف الحد من الانقسام المالي والإداري بين مؤسسات الشرق والغرب.
وجاءت هذه التفاهمات بعد سلسلة طويلة من المبادرات والحوارات المحلية والإقليمية والدولية. فقد استندت الخريطة الجديدة إلى الإعلان الدستوري المؤقت الصادر عام 2011 وتعديلاته، وإلى الاتفاق السياسي الليبي الموقع في المغرب عام 2015، إضافة إلى مخرجات الاجتماع الثلاثي الذي استضافته جامعة الدول العربية في القاهرة خلال مارس/آذار 2024.
وشهد ذلك الاجتماع اتفاق المنفي وصالح وتكالة على ضرورة تشكيل حكومة موحدة تقود البلاد نحو الانتخابات، مع توحيد المناصب السيادية وحسم النقاط الخلافية المرتبطة بالقوانين الانتخابية.
في الوقت نفسه، كثفت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا جهودها خلال العامين الماضيين، حيث شكلت لجنة استشارية لمعالجة الخلافات التي أعاقت المسار الانتخابي، قبل أن تطرح الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة هانا تيتيه خريطة طريق متكاملة أمام مجلس الأمن في أغسطس/آب 2025.
كما أطلقت البعثة الأممية حوارًا مهيكلًا ضم نحو 120 شخصية ليبية، بهدف معالجة جذور الأزمة السياسية والأمنية والاقتصادية. وانتهى هذا المسار في يونيو/حزيران 2026 بتقديم أكثر من 525 توصية ركزت على تهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية وتوحيد مؤسسات الدولة وتعزيز الحوكمة.

ولعبت الولايات المتحدة دورًا موازيًا في دعم جهود التسوية، عبر تحركات قادها مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا مسعد بولس، الذي شارك في سلسلة لقاءات مع أطراف ليبية ودولية بهدف تقريب وجهات النظر بين معسكري الشرق والغرب.
وأشارت تقارير دولية إلى أن تلك الجهود أسهمت في التوصل إلى تفاهمات تتعلق بتوحيد الإنفاق العام، وتهيئة الظروف السياسية اللازمة لإعادة إطلاق العملية الانتخابية بعد سنوات من التعثر.
رغم أهمية الاتفاق الجديد، فإن نجاحه يبقى مرهونًا بقدرة الأطراف الليبية على تنفيذ التزاماتها عمليًا. فالتجارب السابقة أظهرت أن الاتفاقات السياسية لا تتحول بالضرورة إلى واقع ميداني، خاصة في ظل استمرار الانقسام بين المؤسسات التنفيذية والعسكرية وتضارب المصالح المرتبطة بالموارد السيادية.

كما أن الخلافات المحتملة حول قوانين لجنة 6+6، وآليات الإشراف على الانتخابات، والمناصب السيادية، وتوزيع الإيرادات النفطية، قد تعيد إنتاج الأزمة إذا لم تُحسم ضمن إطار توافقي شامل.
لذلك تمثل خريطة الطريق الجديدة فرصة لإعادة إطلاق المسار الانتخابي، لكنها لا تشكل بحد ذاتها ضمانة لإنهاء الانقسام. فنجاحها سيعتمد على مدى التزام القوى السياسية والعسكرية بتنفيذ بنودها، وعلى استمرار الدعم الإقليمي والدولي لتحويل التفاهمات الحالية إلى انتخابات تنهي واحدة من أطول المراحل الانتقالية في المنطقة.