اتفاق واشنطن وطهران: أبعاد اقتصادية تتجاوز التهدئة

2026.06.17 - 17:35
Facebook Share
طباعة

لا يبدو الاتفاق الأميركي – الإيراني مجرد تفاهم لوقف الحرب أو تهدئة مؤقتة، بل أقرب إلى حزمة اقتصادية واسعة قد تمنح طهران دفعة مالية كبيرة في مرحلة شديدة الحساسية من أزمتها الداخلية والخارجية. فبحسب تفاصيل مذكرة التفاهم المنشورة، يتضمن الاتفاق سلسلة من البنود الاقتصادية الجوهرية، تتدرج بين امتيازات فورية، وأخرى مشروطة بتقدم المفاوضات، وثالثة مرتبطة بالاتفاق النهائي.

 

وبحسب تقرير للصحافي تومر ألمغور في موقع "N12"، فإن المذكرة بين الولايات المتحدة وإيران لا تقتصر على إنهاء الحرب، بل تحمل في طياتها ترتيبات اقتصادية واسعة النطاق لصالح طهران. وتشير الصياغة التي نشرتها "بلومبرغ" إلى وجود خمسة مسارات اقتصادية رئيسية تُقدَّم لإيران على مراحل مختلفة، بما يجعلها أشبه بـ"حزمة إنعاش اقتصادي" متعددة الطبقات.

 

وفي هذا السياق، قال أفنر فيلان، وهو مسؤول أمني إسرائيلي سابق وخبير في الشأن الإيراني، إن إيران تمر بأزمة اقتصادية خانقة، مضيفًا أنها تواجه صعوبة حقيقية في تأمين احتياجات أساسية مثل الكهرباء والمياه والغذاء. واعتبر أن الاتفاق الجاري بلورته يمثل، على حد وصفه، "تحولًا جذريًا" في مسار الدولة الإيرانية، لأنه يفتح أمامها مسارات تمويل غير مسبوقة قد تضمن استمرارية النظام لفترة طويلة.

 

وأضاف فيلان أن حجم التسهيلات المطروحة غير مسبوق في التاريخ الحديث للعقوبات على إيران، مشيرًا إلى أنها قد تؤدي إلى تغيير جذري في قدرتها الاقتصادية والإدارية.

 

وبحسب النص المنشور في "بلومبرغ"، فإن إيران ستحصل فور توقيع مذكرة التفاهم، المتوقع في سويسرا، على امتيازين اقتصاديين رئيسيين يُعدان الأكثر تأثيرًا على المدى القصير. وتشير المعطيات إلى أن هذين الامتيازين يشكلان ما يمكن وصفه بضخ مباشر للأوكسجين في جسد الاقتصاد الإيراني المنهك.

 

الامتياز الأول يتمثل في إنهاء الحصار البحري الذي أعلنته الإدارة الأميركية في 13 أبريل، والذي شمل تقييد الوصول إلى الموانئ الإيرانية في منطقة الخليج. وقد أدى هذا الإجراء، بحسب تقارير عسكرية أميركية، إلى اعتراض عشرات السفن ومنعها من الوصول إلى المرافئ الإيرانية، ما تسبب عمليًا في تعطيل جزء كبير من حركة تصدير النفط، وهو المصدر الأساسي لإيرادات الدولة. وتشير تقديرات سابقة إلى أن إيران كانت تخسر مئات الملايين من الدولارات يوميًا نتيجة هذا الحصار.

 

أما الامتياز الثاني، فيتعلق برفع مؤقت للعقوبات المفروضة على قطاع النفط الإيراني والخدمات المرتبطة به، بما في ذلك النقل والتأمين والخدمات المالية. ويشير فيلان إلى أن هذين الإجراءين مترابطان بشكل مباشر، إذ إن رفع العقوبات يسمح ببيع النفط، بينما يضمن رفع القيود البحرية إمكانية تصديره فعليًا إلى الأسواق العالمية.

 

ووفقًا للتقديرات، تنتج إيران نحو مليوني برميل نفط يوميًا، ما يعني أن إعادة فتح قنوات التصدير ستعيد ضخ مليارات الدولارات إلى الاقتصاد الإيراني بشكل شبه فوري. ويضيف فيلان أن هذه الخطوة قد تعيد الاقتصاد الإيراني إلى مستويات قريبة من تلك التي كان عليها قبل اندلاع الحرب، وربما في وضع أفضل نسبيًا.

 

ويشير إلى أن إيران كانت تعاني أصلًا من ضغوط اقتصادية قبل الحرب، لكن التداعيات اللاحقة للصراع فاقمت الوضع بشكل كبير، ما يجعل هذه الامتيازات بمثابة فرصة لإعادة تشغيل الدورة الاقتصادية الداخلية، من تمويل الخدمات العامة إلى تنشيط التجارة والاستيراد.

 

أما الامتياز الثالث، فيرتبط بمرحلة لاحقة من الاتفاق، ويُمنح مقابل التقدم في المفاوضات والالتزام بالبنود المتفق عليها. وينص على تمكين إيران من الوصول إلى أصولها المجمدة في الخارج واستخدامها عبر البنك المركزي الإيراني.

 

وتشير التقديرات إلى أن هذه الأصول موزعة على عدة دول، من بينها الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة والصين، وقد تم تجميدها ضمن منظومة العقوبات الدولية المفروضة على إيران على مدى سنوات. وتُقدَّر قيمتها الإجمالية بنحو 100 مليار دولار، في حين تشير بعض التقديرات إلى أن إيران تسعى لاستعادة جزء منها قد يصل إلى عشرات المليارات. وحتى الآن، لا تزال هذه الأموال خارج نطاق الاستخدام الفعلي من قبل طهران، رغم أهميتها المحتملة في دعم الاقتصاد وإعادة الإعمار.

 

أما المرحلة الأكثر حساسية في المذكرة، فتتعلق بما يُفترض أن يُنفذ فقط في حال التوصل إلى اتفاق نهائي شامل بين الطرفين، وهي بنود من شأنها تغيير بنية النظام الاقتصادي الإيراني بشكل جذري، وإعادة دمجه في النظام المالي العالمي.

 

وبحسب البند السابع من النص، تلتزم الولايات المتحدة بإلغاء جميع العقوبات المفروضة على إيران، بما في ذلك العقوبات الثانوية التي تستهدف الدول والشركات المتعاونة مع طهران. ويُعد هذا البند، وفق مراقبين، خطوة تتجاوز حتى الاتفاق النووي لعام 2015، الذي اكتفى برفع جزئي للعقوبات دون إنهاء شامل لها.

 

ويقول فيلان إن تنفيذ هذا البند يعني عمليًا إزالة منظومة العقوبات التي بُنيت على مدى سنوات طويلة، ما سيتيح لإيران إعادة الاندماج الكامل في الاقتصاد العالمي، وتحويلها إلى لاعب اقتصادي طبيعي ضمن النظام الدولي.

 

كما تتضمن المذكرة التزامًا أميركيًا بإنشاء صندوق لإعادة إعمار إيران بقيمة 300 مليار دولار، مع تأكيد أن التمويل لن يكون أميركيًا مباشرًا. ومع ذلك، يرى فيلان أن تأمين هذا التمويل سيكون معقدًا من الناحية العملية، نظرًا لحجم المبلغ وتنوع مصادره المحتملة.

 

ويهدف هذا الصندوق إلى دعم إعادة بناء البنية التحتية المتضررة من الحرب، غير أن مخاوف تُطرح بشأن إمكانية استخدام موارد غير مباشرة قد تتيح لإيران إعادة توجيه جزء من أموالها نحو إعادة بناء قدراتها الاستراتيجية والعسكرية، حتى وإن لم يكن ذلك منصوصًا عليه بشكل مباشر.

 

وبين رفع القيود البحرية، وتحرير صادرات النفط، وفك تجميد الأصول، وإلغاء العقوبات، وإنشاء صندوق إعادة الإعمار، تبدو مذكرة التفاهم أقرب إلى مشروع إنعاش اقتصادي شامل، يتجاوز فكرة وقف الحرب، ليطرح تصورًا جديدًا لمستقبل الاقتصاد الإيراني بعد سنوات طويلة من العزلة والعقوبات.

 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى

أبرز العناوين ذات الصلة:


ايران حرب اقتصادية امريكا هرمز

اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 9