خلافًا للتوقعات التي سبقت انعقاد قمة مجموعة السبع في فرنسا، لم تتحول الاجتماعات إلى ساحة مواجهة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والقادة الأوروبيين حول ملفات إيران و أوكرانيا. بل على العكس، كشفت الساعات الأولى من القمة عن مؤشرات على تقارب سياسي آخذ في التشكل بين الجانبين، يقوم على تبادل مصالح قد يعيد رسم أولويات التعاون عبر الأطلسي في المرحلة المقبلة.
وبحسب تقرير للصحافي أساف روزنتسفايغ نشره موقع "N12"، فإن الزعماء الذين وصلوا إلى مدينة إيفيان ليه بان الفرنسية كانوا يستعدون لجولة جديدة من الخلافات مع ترامب بشأن الحرب في أوكرانيا والتعامل مع إيران، إلا أن المناقشات الأولى حملت إشارات مختلفة، دفعت عدداً من المسؤولين الأوروبيين إلى الحديث عن أجواء أكثر إيجابية مما كان متوقعاً.
ووفقاً لما نقلته مجلة "بوليتيكو"، فإن ملامح تفاهم واسع بدأت تتبلور خلال اللقاءات المغلقة، يقوم على معادلة واضحة: زيادة الضغوط الأميركية على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدفعه نحو إنهاء الحرب في أوكرانيا، مقابل مساهمة أوروبية أكبر في تثبيت الاتفاق مع إيران وضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز.
المستشار الألماني فريدريش ميرتس كان من بين أبرز المتفائلين بنتائج النقاشات، إذ أكد أن اللقاءات الرسمية وغير الرسمية التي جمعت القادة الأوروبيين بترامب منحته "قدراً معيناً من التفاؤل". كما تحدث دبلوماسيون أوروبيون عن تحسن ملموس في أجواء العلاقات عبر الأطلسي، وإن كانوا شددوا في الوقت نفسه على ضرورة عدم المبالغة في التوقعات، نظراً إلى أن مواقف ترامب بشأن أوكرانيا شهدت تغيرات متكررة خلال السنوات الماضية.
وكانت المخاوف الأوروبية قد تصاعدت في بداية القمة بعد تلميحات أطلقها ترامب أوحت بأن نجاح الاتفاق مع إيران قد يتيح له تحويل تركيزه نحو التوصل إلى تسوية للحرب الروسية – الأوكرانية، وهو ما أثار قلق العواصم الأوروبية التي تخشى أي تراجع في مستوى الضغط الأميركي على موسكو. كما زادت المخاوف بعد المكالمة الهاتفية المطولة التي أجراها الرئيس الأميركي مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين قبل القمة.
غير أن الأجواء بدأت تتغير بعد الاجتماع الذي جمع ترامب بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي وعدد من القادة المشاركين في القمة. واستمر اللقاء نحو 70 دقيقة، أعقبه إعلان الرئيس الأميركي عزمه إعادة فرض عقوبات على قطاع النفط الروسي، في خطوة اعتُبرت رسالة مباشرة إلى الكرملين.
وقال ترامب عقب اللقاء: "روسيا يجب أن تصل إلى اتفاق"، في إشارة إلى ضرورة إنهاء الحرب والتقدم نحو تسوية سياسية.
وبحسب دبلوماسيين أوروبيين مطلعين على المداولات، أوضح ترامب خلال اجتماعاته الخاصة أن نجاح الاتفاق مع إيران يتطلب دعماً دولياً يتجاوز الجانب السياسي، ويشمل مساهمة عملية في معالجة التحديات الأمنية المرتبطة بإعادة فتح مضيق هرمز، خصوصاً ملف إزالة الألغام وتأمين حركة الملاحة التجارية.
وجاءت هذه الرسائل قبيل وصول نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى سويسرا لاستكمال المحادثات المتعلقة باتفاق وقف إطلاق النار مع إيران.
ورغم أن ترامب أكد علناً أن الولايات المتحدة قادرة على التعامل مع الملف الإيراني بمفردها، فإن النقاشات المغلقة كشفت عن طلبه دعماً سياسياً ولوجستياً من حلفائه الأوروبيين. وأوضح أحد الدبلوماسيين أن واشنطن تحتاج إلى قدرات بحرية إضافية للمشاركة في عمليات إزالة الألغام وتأمين الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما دفع عدداً من الدول إلى إبداء استعدادها للمساهمة.
ووفقاً للمعلومات المتداولة، وافقت كل من كندا وألمانيا بالفعل على إرسال سفن متخصصة للمشاركة في عمليات إزالة الألغام في المنطقة، ضمن الجهود الدولية الرامية إلى إعادة حركة الملاحة إلى مستوياتها الطبيعية.
في المقابل، يرى القادة الأوروبيون أن مشاركتهم في هذه المهمة يجب أن تقابلها خطوات أميركية أكثر وضوحاً تجاه أوكرانيا. وبحسب المصادر الدبلوماسية، فإن الرسالة الأساسية التي نقلها الأوروبيون إلى ترامب تمثلت في ضرورة استمرار الدعم الأميركي لكييف وعدم التراجع عن الضغوط المفروضة على موسكو.
وأكد عدد من القادة الأوروبيين استعدادهم للمساهمة في المهمة البحرية المرتقبة، لكنهم أشاروا إلى أن تنفيذها يتطلب ترتيبات سياسية وقانونية محددة. وفي هذا السياق، أوضح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن أي عملية لإزالة الألغام في مضيق هرمز تحتاج إلى طلب رسمي من الولايات المتحدة، فضلاً عن موافقة إيران وسلطنة عمان باعتبارهما طرفين أساسيين في الترتيبات الأمنية الجديدة.
وخلال لقائه مع زيلنسكي، أكد ترامب أنه سيفعل "كل ما في وسعه" لإنهاء الحرب في أوكرانيا، فيما شدد الرئيس الأوكراني على أن قادة مجموعة السبع متفقون على أن روسيا لم تحقق أهدافها في الحرب.
وأضاف زيلنسكي أن المناقشات تناولت أيضاً إمكان فرض عقوبات إضافية على قطاع الطاقة الروسي والنظام المصرفي والصناعات العسكرية، في محاولة لزيادة الضغوط الاقتصادية على موسكو ودفعها إلى العودة إلى طاولة المفاوضات.
وكشف دبلوماسيان أوروبيان أن زيلنسكي عرض خلال الاجتماع صوراً للأضرار التي لحقت بدير كييف بيشيرسك لافرا إثر هجوم روسي وقع مطلع الأسبوع. وأشار أحدهما إلى أن ترامب أبدى تحفظه على الهجوم، بينما رأى الآخر أن الصور تركت أثراً نفسياً واضحاً وساهمت في تحسين أجواء الحوار بين الطرفين.
ورغم المؤشرات الإيجابية، لا يزال الأوروبيون يتعاملون بحذر مع الموقف الأميركي. فبحسب مسؤولين مشاركين في القمة، لم يقدم ترامب حتى الآن التزاماً واضحاً بفرض حزمة جديدة من العقوبات الأميركية على روسيا، وهو مطلب أساسي بالنسبة للعواصم الأوروبية.
وفي موازاة ذلك، أعرب وزير الخارجية الألماني يوهان فادفول عن اعتقاده بأن فرص إطلاق مفاوضات سلام بين روسيا وأوكرانيا أصبحت أكبر من السابق، مشيراً إلى أن المحادثات قد تبدأ خلال فصل الصيف إذا استمرت الضغوط الحالية. وأضاف أن بوتين قد يكون بات في موقع يدفعه إلى التفكير جدياً في خيار التفاوض.
وعلى هامش الملف الأوكراني، احتل الاتفاق المؤقت مع إيران مساحة واسعة من نقاشات القمة. فقد خُصصت إحدى جلسات العمل لمناقشة إعادة فتح مضيق هرمز والخيارات المتاحة لضمان استمرار تدفق التجارة العالمية عبره، إلى جانب بحث مسارات شحن بديلة في حال حدوث أي اضطرابات جديدة.
وأكد ترامب خلال المناقشات أن المضيق سيعود إلى العمل بطاقته الكاملة بحلول يوم الجمعة، مع استكمال الترتيبات الأمنية اللازمة.
في المقابل، عبّر عدد من القادة الأوروبيين عن مخاوفهم من ألا يتمكن فريق التفاوض الأميركي من التوصل إلى اتفاق نووي شامل خلال مهلة الستين يوماً المحددة، كما أبدوا قلقهم من أن يبقى برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني خارج إطار التفاهمات النهائية.
إلا أن ترامب جدد تأكيده أن الاتفاق الحالي يتضمن ضمانات واضحة تمنع إيران من تطوير سلاح نووي في المستقبل.
من جانبه، شدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على أهمية إدراج ملف الصواريخ الباليستية الإيرانية ضمن المفاوضات المقبلة، معتبراً أن أي اتفاق طويل الأمد يجب أن يعالج جميع عناصر القلق المرتبطة بالبرنامج الإيراني.
كما أكد ماكرون أن إعادة فتح مضيق هرمز يجب أن تتم بشكل كامل ومن دون أي رسوم أو قيود على حركة الملاحة الدولية، موضحاً أن فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وهولندا من بين الدول المستعدة للمشاركة في المهمة البحرية المرتقبة، وأن تنفيذها يمكن أن يبدأ خلال يومين أو ثلاثة أيام من توقيع الاتفاق النهائي.
وبين أوكرانيا ومضيق هرمز، تبدو قمة مجموعة السبع وكأنها ترسم ملامح تفاهم سياسي جديد يقوم على تبادل المصالح بين ضفتي الأطلسي. فترامب يحتاج إلى دعم أوروبي لإنجاح ترتيبات ما بعد الاتفاق مع إيران وضمان أمن الملاحة في الخليج، فيما يحتاج الأوروبيون إلى استمرار الانخراط الأميركي في الملف الأوكراني ومواصلة الضغط على روسيا.
وفي حال نجحت هذه المعادلة في الصمود، فقد تشكل بداية مرحلة جديدة من التنسيق الدولي، تحمل تداعيات مباشرة ليس فقط على مستقبل الحرب في أوكرانيا، بل أيضاً على توازنات الشرق الأوسط والعلاقة مع إيران وروسيا في آن واحد.