إسرائيل تشطر أميركا انتخابياً

2026.06.17 - 16:45
Facebook Share
طباعة

لم تعد الانتخابات المحلية في الولايات المتحدة مجرد استحقاقات مرتبطة بالخدمات البلدية أو الشؤون المحلية، بل تحولت إلى ساحة تعكس الانقسامات السياسية والثقافية المتصاعدة داخل المجتمع الأميركي، ولا سيما في ما يتعلق بالموقف من إسرائيل والرئيس دونالد ترامب ودور الجاليات اليهودية في الحياة السياسية. وبين صعود مرشحين تقدميين ينتقدون إسرائيل بشدة وبروز شخصيات يمينية تحمل رؤى دينية محافظة ومتشددة، تجد قطاعات واسعة من الناخبين اليهود نفسها أمام خيارات سياسية معقدة وغير مسبوقة.

 

وبحسب تقرير للصحافي دانيال أدلسون نشره موقع "واي نت" العبري، فإن السباقات الانتخابية الجارية في مدن مثل واشنطن ولوس أنجلوس وأوكلاهوما تكشف حجم التحولات التي تشهدها الخريطة السياسية الأميركية، حيث باتت إسرائيل واحدة من أبرز القضايا التي تؤثر في توجهات الناخبين وتحالفات المرشحين.

 

في العاصمة الأميركية واشنطن، برزت عضو مجلس المدينة التقدمية جانيس لويس جورج كأبرز الفائزين في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لرئاسة البلدية، بعدما أظهرت النتائج الأولية تقدمها بفارق مريح على منافسها الديمقراطي المعتدل كينيان ماكدوفي.

 

وتحظى لويس جورج، البالغة من العمر 38 عامًا، بدعم واسع من التيار التقدمي، حتى إن بعض الأوساط السياسية أطلقت عليها لقب "ممداني واشنطن" في إشارة إلى ارتباطها بالأفكار التقدمية اليسارية. وتشير النتائج الأولية إلى حصولها على نحو 53% من الأصوات مقابل 37% لمنافسها، ما يجعلها الأوفر حظًا للفوز بمنصب رئيسة البلدية في الانتخابات العامة المقبلة، خصوصًا أن واشنطن تعد من أكثر المدن ميلاً للحزب الديمقراطي.

 

وفي خطاب احتفالي أمام أنصارها، اعتبرت لويس جورج أن النتائج تمثل لحظة تاريخية، مؤكدة أن ما كان يبدو حلمًا بعيد المنال أصبح واقعًا يتشكل أمام أعين مؤيديها.

 

وجرت الانتخابات في أجواء مشحونة بعد تدخل مباشر من الرئيس دونالد ترامب، الذي هاجم ترشحها قبل أيام من الاقتراع، معربًا عن رفضه وصول شخصية اشتراكية إلى رئاسة بلدية العاصمة، ولوّح بإمكانية سحب صلاحيات الحكم الذاتي من واشنطن ووضع المدينة تحت إدارة فدرالية مباشرة.

 

وأثارت تصريحات ترامب ردود فعل واسعة نظرًا إلى الوضع القانوني الخاص للعاصمة الأميركية، التي لا تتمتع بصفة ولاية كاملة ولا تحظى بتمثيل كامل في الكونغرس، ما يجعل مسألة الحكم المحلي قضية شديدة الحساسية لسكان المدينة.

 

ورفضت لويس جورج التراجع أمام هذه الضغوط، معتبرة أن التهديد بحرمان المدينة من حكمها المحلي يشكل مساسًا بالديمقراطية. وأكدت في خطابها أن سكان العاصمة يبحثون عن قيادة قادرة على مواجهة ضغوط الإدارة الفدرالية والدفاع عن حقوق المدينة واستقلاليتها السياسية.

 

لكن صعودها أثار في المقابل مخاوف متزايدة داخل أوساط الجالية اليهودية في واشنطن. فقد أعلنت خلال استبيان داخلي نظمته منظمة "الاشتراكيون الديمقراطيون في أميركا" أنها لن تشارك في فعاليات تهدف إلى الترويج للصهيونية، كما أنها لا تنوي إقامة علاقات رسمية مع الحكومة الإسرائيلية أو مع منظمات ضغط مؤيدة لإسرائيل.

 

وأثارت هذه المواقف انتقادات من قيادات يهودية محلية اعتبرت أن بعض الطروحات المتداولة داخل المنظمة تحمل طابعًا إقصائيًا تجاه اليهود. وعلى الرغم من محاولاتها إجراء لقاءات مغلقة مع عدد من الحاخامات لاحتواء التوتر، فإنها تجنبت تقديم مواقف واضحة ومباشرة بشأن تعريفها للصهيونية.

 

وزادت حدة الجدل بعدما كُشف أن المديرة السياسية لحملتها، ماكيا غرين، نشرت بعد أحداث السابع من أكتوبر منشورات وصفت إسرائيل بأنها "دولة وهمية"، وأبدت تأييدها لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، كما أعادت نشر محتوى مؤيدًا للحوثيين.

 

وفي ولاية أوكلاهوما، تواجه الجالية اليهودية تحديات من نوع مختلف مع احتدام المنافسة داخل الحزب الجمهوري في الدائرة الأولى للكونغرس، التي تضم مدينة تولسا وتعد من أكثر الدوائر محافظة في الولاية.

 

وقد تأهل إلى الجولة الثانية من الانتخابات التمهيدية كل من النائب المحلي مارك تيدفورد والقس المحافظ جاكسون لامير، الذي برز خلال السنوات الأخيرة كأحد الوجوه الصاعدة في التيار الترامبي.

 

ويُعرف لامير بتأسيسه حركة "قساوسة من أجل ترامب"، كما يحظى بدعم مباشر من الرئيس الأميركي الذي وصفه بأنه من أوائل المؤيدين الحقيقيين لشعار "اجعلوا أميركا عظيمة مجددًا". ويحظى كذلك بشعبية كبيرة داخل الأوساط الإنجيلية المحافظة وقيادات الحزب الجمهوري.

 

إلا أن مواقفه الدينية أثارت تحفظات داخل بعض الأوساط اليهودية، خصوصًا في ظل خطابه اللاهوتي المحافظ والمتشدد. كما تعرضت حملته لانتكاسة بعد الكشف عن رسائل شخصية تبادلها مع مسؤولة سابقة لجمع التبرعات في حملته الانتخابية.

 

وأقر لامير بإرسال الرسائل، لكنه أكد أنها أُخرجت من سياقها، معترفًا بأنه تجاوز حدودًا كان ينبغي عدم تجاوزها. كما رد على مزاعم أخرى تتعلق بحياته الشخصية مؤكدًا أنه عالج هذه القضايا مع زوجته عبر الاستشارات الروحية والعائلية.

 

أما في لوس أنجلوس، فقد شهدت انتخابات رئاسة البلدية تطورًا لافتًا مع تأهل عضو مجلس المدينة التقدمية نيثيا رامان إلى الجولة النهائية من السباق، حيث ستواجه رئيسة البلدية الحالية كارين باس في انتخابات نوفمبر المقبل.

 

ورامان، البالغة من العمر 44 عامًا، هي مخططة مدن من أصول هندية وخريجة جامعتي هارفارد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، وقد بنت شعبيتها على خطاب يركز على أزمة السكن والإصلاحات الحضرية.

 

غير أن مواقفها المتعلقة بالحرب في غزة أصبحت محورًا رئيسيًا للجدل داخل أوساط الجالية اليهودية في المدينة، التي تعد من أكبر التجمعات اليهودية خارج إسرائيل.

 

ورغم تأكيدها سابقًا دعم حق إسرائيل في الوجود ورفضها لحركة المقاطعة، فإن تصريحات لاحقة أدلت بها خلال مقابلة إعلامية أثارت موجة من الانتقادات بعدما أعلنت تأييدها لتقارير منظمات حقوقية تتهم إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزة.

 

كما وصفت إسرائيل بأنها "دولة فصل عنصري"، وانتقدت بشدة سياسات حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، معتبرة أنها لا تتعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم بشرًا متساوين في الحقوق.

 

وأدت هذه المواقف إلى توتر علاقتها مع عدد من المنظمات اليهودية الليبرالية التي كانت قد دعمتها في مراحل سابقة، ما عمّق الانقسام بشأن ترشحها داخل المدينة.

وفي نهاية عملية فرز طويلة ومعقدة، تمكنت رامان من التفوق على منافسها الجمهوري سبنسر برات، الشخصية الإعلامية المعروفة والمؤيدة لإسرائيل، والذي اكتسب تعاطفًا واسعًا بعد تدمير منزله خلال حرائق كاليفورنيا العام الماضي.

ويرى كثير من اليهود والإسرائيليين المقيمين في لوس أنجلوس أن الانتخابات الحالية تضعهم أمام خيارات صعبة، في ظل تراجع شعبية رئيسة البلدية الحالية كارين باس بسبب الانتقادات الموجهة إلى أدائها خلال الأزمات الأخيرة، وفي المقابل تنامي المخاوف من صعود تيارات تقدمية تعتبرها بعض الأوساط أكثر راديكالية في مواقفها من إسرائيل.

وبين واشنطن وأوكلاهوما ولوس أنجلوس، تكشف هذه الانتخابات أن الجدل حول إسرائيل لم يعد يقتصر على السياسة الخارجية الأميركية، بل أصبح عنصرًا مؤثرًا في الانتخابات المحلية أيضًا. وفي ظل عودة ترامب إلى المشهد السياسي بقوة، تبدو الجاليات اليهودية أمام اختبار سياسي معقد، حيث يتداخل الصراع على الهوية والانتماء والمواقف من إسرائيل مع الاستقطاب الحاد الذي يطبع الحياة السياسية الأميركية اليوم. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى

أبرز العناوين ذات الصلة:


امريكا اسرائيل الانتخابات البلدية

اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 4