تشهد مناطق متعددة من ريف محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا موجة احتجاجات شعبية متصاعدة، على خلفية تدهور الواقع الخدمي والمعيشي واستمرار أزمات المياه والكهرباء والمحروقات، إلى جانب مطالب بتحسين الخدمات الأساسية وتأمين فرص العمل وإعادة الموظفين المفصولين إلى وظائفهم.
وتأتي هذه التحركات في سياق حالة من التوتر الاجتماعي المتزايد، إذ يعبر السكان عن استياء متراكم من الظروف الاقتصادية الصعبة، في وقت تتزامن فيه الاحتجاجات مع إشارات مرتبطة بآليات تنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وفق ما يطرحه محتجون ومتابعون للشأن المحلي.
الهول: احتجاجات تعطل مرور صهاريج النفط
في ريف الهول، تجمع عدد من السكان على الطريق الذي تمر عبره صهاريج نقل النفط، وقاموا بقطع الطريق ومنع مرورها، تعبيرًا عن غضبهم من استمرار أزمة المياه وارتفاع أسعار المحروقات وتراجع الخدمات الصحية.
وأكد المحتجون أن منطقتهم تعاني منذ فترة طويلة من نقص حاد في مياه الشرب وضعف في الخدمات الأساسية، رغم مرور صهاريج النفط بشكل يومي، ما زاد من حدة الاستياء الشعبي.
كما شددوا على أن استمرار هذه الأوضاع سيدفع إلى مواصلة الاحتجاجات في حال عدم اتخاذ إجراءات ملموسة لتحسين الخدمات وتأمين الاحتياجات الأساسية للسكان، وعلى رأسها المياه والوقود.
الشدادي وتل براك وغزيلة: حراك احتجاجي متعدد المناطق
في مدينة الشدادي جنوبي الحسكة، خرجت وقفة احتجاجية شارك فيها عشرات السكان للمطالبة بتحسين الواقع الخدمي والمعيشي، ورفع المحتجون مطالب تتعلق بحل أزمات الكهرباء والمياه والخبز والمحروقات، إلى جانب توفير فرص عمل وإعادة الموظفين المفصولين.
وفي ريف الحسكة الشمالي الشرقي، شهدت ناحية تل براك وقفة احتجاجية مماثلة، ركزت على تدهور الخدمات الأساسية وارتفاع تكاليف المعيشة وتفاقم أزمة البطالة، وسط مطالبات بتحسين الظروف الاقتصادية.
كما شهدت بلدة غزيلة احتجاجات تمثلت بقطع طريق رئيسي وإشعال إطارات، احتجاجًا على ارتفاع أسعار الوقود والمواد الأساسية وتراجع القدرة الشرائية، إضافة إلى غياب فرص العمل، حيث دعا المحتجون إلى إجراءات عاجلة لمعالجة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة.
وقبل ذلك بيوم، شهدت قرية أم حجيرة في ناحية الهول وقفة احتجاجية طالبت بتحسين خدمات الكهرباء والمياه والخبز والمحروقات، إلى جانب توفير فرص عمل وتحسين الظروف المعيشية بشكل عام.
شهادات محلية: أزمات متراكمة وضغوط معيشية
يقول سكان من مدينة الشدادي إن الاحتجاجات جاءت نتيجة تراكم أزمات خدمية واقتصادية لم تُحل منذ سنوات، في ظل ارتفاع أسعار المواد الغذائية والمحروقات وتراجع فرص العمل.
ويشير الأهالي إلى أن أزمة المياه تعد من أبرز التحديات اليومية، إلى جانب الانقطاعات المتكررة للكهرباء وارتفاع تكاليف النقل، ما أدى إلى صعوبة في تأمين الاحتياجات الأساسية.
كما تعاني شريحة واسعة من الشباب من البطالة، في ظل غياب مشاريع اقتصادية أو فرص تشغيل قادرة على استيعاب الباحثين عن العمل، ما ساهم في زيادة حالة الاحتقان الاجتماعي.
مشاركة نسائية وضغوط معيشية متزايدة
تشارك نساء من مناطق ريف الحسكة في الاحتجاجات، حيث تؤكد مشاركات أن الأوضاع المعيشية انعكست بشكل مباشر على حياة الأسر اليومية.
وتشير شهادات محلية إلى أن تأمين المياه أصبح تحديًا يوميًا، في حين تؤثر أزمة الكهرباء وارتفاع أسعار الوقود على مختلف جوانب الحياة، من تشغيل المضخات إلى التدفئة والنقل.
وتؤكد النساء أن المطالب تتركز حول الخدمات الأساسية، باعتبارها الحد الأدنى من الاحتياجات الضرورية، في ظل تراجع مستوى المعيشة وصعوبة الظروف الاقتصادية.
بعد سياسي مرتبط بملف الاتفاقات
ورغم أن الطابع الخدمي والمعيشي هو الأكثر حضورًا في الشعارات المرفوعة، فإن الاحتجاجات حملت أيضًا إشارات سياسية مرتبطة بتنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني بين الحكومة السورية و”قسد”.
ويشير محتجون إلى وجود بطء في تطبيق بنود الاتفاق على أرض الواقع، وعدم انعكاسه بشكل واضح على الإدارة المحلية أو الخدمات اليومية، ما أدى إلى تزايد الشعور بعدم الرضا.
كما تبرز انتقادات تتعلق بآليات الدمج والتوظيف، إذ يرى بعض السكان أن الإجراءات غير متوازنة وأن معايير إعادة الهيكلة والتوظيف لا تزال غير واضحة، إلى جانب توقف أو إعادة تنظيم بعض المؤسسات، ما أثر على الخدمات وفرص العمل.
قراءة تحليلية: أبعاد اقتصادية وسياسية متداخلة
يرى باحثون أن الاحتجاجات في الحسكة لا يمكن فصلها بين البعد المعيشي والسياسي، إذ يشكل تدهور الخدمات والاقتصاد المحرك الأساسي، بينما تضيف ملفات الإدارة والدمج بعدًا آخر للاحتقان.
وتشير التقديرات إلى أن جزءًا من الغضب الشعبي مرتبط بإحساس لدى السكان بأن التفاهمات السياسية لم تنعكس بشكل ملموس على بنية الإدارة المحلية أو توزيع الخدمات وفرص العمل.
كما تبرز قضايا المهجرين وتمثيل المكونات المحلية كملفات عالقة تزيد من تعقيد المشهد، في ظل مطالب بإشراك أوسع لمختلف القوى الاجتماعية والسياسية في إدارة المنطقة.
استمرار التوتر وغياب تعليق رسمي
تستمر الاحتجاجات في ريف الحسكة في ظل أوضاع اقتصادية وخدمية متدهورة، وسط دعوات متكررة لإيجاد حلول عاجلة لأزمات المياه والكهرباء والمحروقات وارتفاع الأسعار.
وحاولت جهات إعلامية التواصل مع مسؤولين محليين للحصول على تعليق بشأن الاحتجاجات والمطالب المطروحة، إلا أنه لم يتم تلقي ردود رسمية حتى وقت إعداد هذا التقرير.