رغم انتهاء العملية الانتخابية لمجلس الشعب السوري في معظم المحافظات، باستثناء السويداء، وإعلان نتائج الدوائر الانتخابية في المنطقة الشرقية خلال نهاية أيار الماضي، لا تزال الجلسة الافتتاحية للمجلس غير منعقدة حتى الآن، خلافاً للتصريحات الرسمية السابقة التي كانت تشير إلى انعقادها في نهاية نيسان أو خلال الأسابيع التالية.
وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد أعلن في 17 نيسان أن الجلسة الأولى ستعقد نهاية الشهر نفسه، فيما تحدث وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في 9 نيسان عن موعد قريب لانعقادها دون تحديد دقيق.
مرحلة انتقالية وإعادة بناء المؤسسات
يأتي هذا التأخير في سياق مرحلة سياسية حساسة تمر بها سوريا، حيث تتزامن عملية استكمال تشكيل المؤسسات الدستورية مع إصدار مراسيم وقوانين من السلطة التنفيذية، كان يفترض أن تكون ضمن صلاحيات السلطة التشريعية لاحقاً.
ويشير مراقبون إلى أن غياب المجلس يطرح إشكاليات تتعلق بانتقال السلطة التشريعية بشكل مؤسسي، في ظل استمرار الحاجة إلى إطار قانوني ينظم عمل المرحلة الانتقالية.
تفسيرات مرتبطة بالإجراءات الانتقالية والتمثيل
يرى خبراء في الحوكمة أن الفترة الفاصلة بين انتهاء الانتخابات وبداية عمل البرلمان تُعد أمراً شائعاً في بعض الأنظمة، بهدف استكمال الإجراءات التنظيمية مثل تشكيل الرئاسة واللجان وإعداد النظام الداخلي.
لكن في الحالة السورية، يبرز نقاش أوسع حول كفاية الإطار القانوني الناظم للمرحلة الانتقالية، خاصة في ما يتعلق بآليات التمثيل والإجراءات التحضيرية لانعقاد الجلسة الأولى.
كما يلاحظ غياب إعلان واضح عن موعد الجلسة الافتتاحية، أو وجود هيئة انتقالية تتولى إدارة الشؤون التنظيمية للمجلس إلى حين بدء عمله الرسمي.
ملف التعيينات والتوازنات السياسية
يربط خبراء قانونيون التأخير باستكمال قائمة الأعضاء الذين سيعينهم الرئيس، والبالغ عددهم 70 عضواً، إلى جانب التعقيدات المرتبطة بملفات المناطق الخارجة عن السيطرة الكاملة سابقاً، مثل شمال وشرق سوريا والسويداء.
ويشير هذا المسار إلى محاولة تحقيق توازن في التمثيل السياسي والمجتمعي داخل المجلس، بما يشمل المكونات الاجتماعية والنساء، لضمان شرعية أوسع للمؤسسة التشريعية في المرحلة المقبلة.
أولوية الاستقرار على حساب التسريع التشريعي
بحسب تحليلات سياسية، فإن أولوية المرحلة الانتقالية ركزت خلال الأشهر الماضية على تثبيت الاستقرار الأمني وإعادة بناء مؤسسات الدولة الأساسية، قبل الانتقال إلى استكمال تشكيل السلطة التشريعية.
ويؤكد خبراء أن هذا التأخير لا يعني بالضرورة وجود طرف مستفيد، بل يعكس تعقيدات المرحلة الانتقالية نفسها، مع الإشارة إلى أن جميع الأطراف تخسر من غياب مؤسسة تشريعية فاعلة.
انعكاسات على العدالة الانتقالية والتشريعات
يحذر مختصون في الحوكمة والقانون من أن استمرار تأخر انعقاد المجلس ينعكس مباشرة على ملفات حساسة، أبرزها العدالة الانتقالية وتنظيم الحياة السياسية وإقرار قانون الأحزاب.
كما يشيرون إلى أن هذه الملفات تتطلب إطاراً تشريعياً واضحاً يناقش قضايا مثل كشف الحقيقة وجبر الضرر وإصلاح المؤسسات، وهي ملفات مؤجلة إلى حين بدء عمل المجلس.
المراسيم خلال غياب البرلمان
أثار إصدار مراسيم وقوانين خلال فترة غياب المجلس نقاشاً قانونياً حول حدود صلاحيات السلطة التنفيذية في المرحلة الانتقالية.
ويرى خبراء أن هذه الإجراءات جاءت نتيجة ضرورة إدارة الدولة في ظرف استثنائي، لكنها تبقى مؤقتة إلى حين انعقاد البرلمان الذي سيتولى لاحقاً مراجعتها أو تعديلها أو تثبيتها وفق الصلاحيات الدستورية.
قراءة قانونية للإطار الدستوري
من الناحية القانونية، يؤكد مختصون أن الإعلان الدستوري الناظم للمرحلة الانتقالية يفترض بدء عمل المجلس خلال فترة قريبة من اكتمال تشكيله، مع إلزامه بانتخاب رئاسته وإعداد نظامه الداخلي خلال مدة محددة بعد الجلسة الأولى.
ويشير هذا الإطار إلى أن استمرار التأخير قد يؤثر على توازن السلطات، عبر إطالة مرحلة الاعتماد على القرارات التنفيذية دون رقابة تشريعية كاملة.
تحديات إعادة بناء المؤسسة التشريعية
يرى خبراء قانونيون أن التأخير مرتبط أيضاً بتحديات إعادة بناء المؤسسات بعد سنوات من الحرب، بما يشمل إعادة الهيكلة الإدارية، وتنظيم العلاقة بين المركز والمحافظات، وضمان تمثيل متوازن داخل المجلس.
ويؤكدون أن الجلسة الأولى تمثل نقطة تحول أساسية، لأنها ستحدد لاحقاً شكل العمل التشريعي والرقابي داخل الدولة.
نحو استكمال المسار الانتقالي
في المحصلة، يشير محللون إلى أن انعقاد مجلس الشعب يبقى خطوة محورية لاستكمال المرحلة الانتقالية، وتحويل إدارة الدولة من قرارات مؤقتة إلى عمل مؤسساتي متكامل.
ويؤكدون أن أي تأخير إضافي قد يطيل حالة الفراغ التشريعي، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى إطار قانوني قادر على معالجة ملفات سياسية واقتصادية واجتماعية معقدة.