الهجوم الإيراني يفتح مرحلة جديدة من حسابات الردع

2026.06.08 - 09:12
Facebook Share
طباعة

 الهجوم الإيراني يفتح مرحلة جديدة من حسابات الردع

أثار الهجوم الصاروخي الإيراني الأخير على إسرائيل تساؤلات واسعة بشأن أهدافه الحقيقية وتداعياته المحتملة على مسار المواجهة في المنطقة. وبحسب تقديرات سياسية وأمنية، لم يقتصر التحرك الإيراني على كونه ردا مباشرا على استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، بل حمل في طياته مؤشرات إلى محاولة إرساء معادلة ردع مختلفة تربط أي استهداف للضاحية بإمكانية تعرض مواقع في شمال إسرائيل لهجمات مباشرة من إيران.

 

وتشير هذه المقاربة إلى سعي طهران لإعادة صياغة قواعد الاشتباك القائمة، عبر رفع كلفة العمليات الإسرائيلية داخل لبنان وربطها بتداعيات تتجاوز الساحة اللبنانية. وخلال الأشهر الماضية، واصلت إسرائيل تنفيذ ضربات في مناطق لبنانية مختلفة، ولا سيما في الجنوب والضاحية الجنوبية، ضمن إطار تصعيد محسوب. في المقابل، يبدو أن إيران تسعى إلى نقل تأثير هذه العمليات إلى العمق الإسرائيلي، بحيث لا تبقى نتائجها محصورة ضمن الحدود اللبنانية.

 

ويحمل التركيز على شمال إسرائيل دلالات خاصة في هذا السياق، نظرا لما تمثله مدينة حيفا ومحيطها من أهمية استراتيجية وعسكرية. ويرى مراقبون أن إدراج هذه المنطقة ضمن نطاق الردود الإيرانية المحتملة يهدف إلى توجيه رسالة مفادها أن استهداف الضاحية الجنوبية قد يؤدي إلى توسيع دائرة المواجهة لتشمل أهدافا أكثر حساسية داخل إسرائيل.

 

ويرى الباحث في الأمن الدولي عارف دهقاندار أن الهجوم الإيراني تضمن رسائل استراتيجية متعددة، أبرزها تأكيد التزام طهران بدعم حلفائها الإقليميين، وإظهار أن استهداف مناطق تعتبرها إيران ذات أهمية أمنية خاصة يشكل تجاوزا لحدود لا يمكن تجاهلها. ويعتبر أن طهران تسعى كذلك إلى إظهار قدرتها على اتخاذ خطوات مباشرة ومستقلة، بما يحد من قدرة خصومها على توقع طبيعة ردودها المستقبلية.

 

ويضيف دهقاندار أن الانتقال من الردود غير المباشرة إلى التحرك المباشر قد يساهم في تغيير قواعد الاشتباك السائدة، وهو ما قد يدفع مختلف الأطراف إلى إعادة تقييم حساباتها الأمنية والعسكرية. كما يعتقد أن القيادة الإيرانية تنطلق من تقدير مفاده أن الولايات المتحدة لا تبدي رغبة في توسيع نطاق التوتر خلال المرحلة الحالية، ما يمنح طهران هامشا للتحرك مع توقع إمكانية احتواء التداعيات.

 

في المقابل، يتوقع الباحث أن تنظر إسرائيل إلى هذا التطور باعتباره تحديا مباشرا لمنظومة الردع الخاصة بها، الأمر الذي قد يدفعها إلى اتخاذ خطوات تهدف إلى إعادة تثبيت معادلات القوة وإظهار استقلالية قرارها الأمني. ووفقا لهذه القراءة، قد يأتي الرد الإسرائيلي بصورة محدودة ومحسوبة لتجنب الانزلاق نحو مواجهة واسعة النطاق.

 

ويشير دهقاندار إلى أن أي رد إسرائيلي جديد على إيران قد يقابله رد إيراني آخر، معتبرا أن مستوى التصعيد المستقبلي سيتحدد وفقا لحجم وطبيعة الخطوات التي قد يتخذها كل طرف. ورغم استبعاده في الوقت الراهن لسيناريوهات المواجهة الشاملة، فإنه يرى أن احتمالات التصعيد لا يمكن استبعادها بشكل كامل.

 

من جهة أخرى، يقدم المحلل السياسي رضا غبيشاوي قراءة مختلفة للهجوم الإيراني، إذ يربطه بما تعتبره طهران إخلالا بالتفاهمات المرتبطة بوقف إطلاق النار، إضافة إلى ما تصفه بتراجع واشنطن عن التزامات سابقة. ويرى أن التطورات الأخيرة جاءت نتيجة تراكمات سياسية وأمنية سبقت الهجوم الصاروخي.

 

ويقول غبيشاوي إن تفاهمات وقف إطلاق النار التي جرى الحديث عنها بوساطات إقليمية كان من المفترض أن تنعكس على الساحة اللبنانية أيضا، إلا أن الأحداث اللاحقة سارت في اتجاه مختلف. كما يشير إلى أن مواقف الإدارة الأمريكية شهدت تغيرات متباينة حيال العمليات الإسرائيلية في الضاحية الجنوبية، وهو ما أسهم في زيادة التوتر بين مختلف الأطراف.

 

وبحسب هذه القراءة، فإن استهداف الضاحية الجنوبية شكل نقطة تحول دفعت إيران إلى تجاوز حدود التهدئة السابقة، ما جعل المواجهة تتخذ أبعادا أوسع من مجرد الرد على حادثة محددة. ويرى غبيشاوي أن طهران أرادت من خلال الهجوم توجيه رسالة تؤكد احتفاظها بقدراتها العسكرية واستعدادها للتعامل مع أي سيناريو تصعيدي محتمل.

 

كما يطرح المحلل السياسي احتمالا آخر يتمثل في اقتراب إيران والولايات المتحدة من تفاهم سياسي معين، معتبرا أن الهجوم قد يكون جزءا من محاولة إيرانية لتعزيز موقعها التفاوضي وإظهار أن أي انخراط في تسويات سياسية لا يرتبط بضعف عسكري أو تراجع في القدرة على الرد.

 

ويتوقع غبيشاوي أن تبقى المواجهة ضمن حدود تبادل ضربات محدودة خلال المرحلة المقبلة، لكنه لا يستبعد استمرار حالة التوتر الحالية إذا فضلت الأطراف المعنية تأجيل الحسم السياسي أو العسكري والإبقاء على الوضع في حالة ترقب مفتوحة.

 

وتتفق معظم التقديرات على أن التطورات الأخيرة تتجاوز إطار الرد العسكري المباشر، إذ ترتبط بمحاولة إعادة رسم قواعد الاشتباك وتحديد حدود القوة والردع بين الجانبين. فإيران تسعى إلى فرض معادلة تجعل أي استهداف للضاحية الجنوبية مرتبطا بإمكانية تعرض مناطق في شمال إسرائيل لهجمات مقابلة، بينما ترى إسرائيل أن قبول مثل هذه المعادلة قد يفرض قيودا جديدة على تحركاتها العسكرية في لبنان.

 

ويبقى مستقبل هذه المعادلة مرتبطا بالخطوات المقبلة للطرفين. فإذا اتجهت إسرائيل إلى تقليص عملياتها أو الاكتفاء بردود محدودة، فقد تعتبر طهران ذلك مؤشرا على نجاح استراتيجيتها الجديدة. أما إذا واصلت إسرائيل عملياتها العسكرية وردت بصورة أكثر قوة، فإن إيران ستواجه اختبارا يتعلق بقدرتها على الاستمرار في تطبيق هذه المعادلة وتحمل تبعات التصعيد المحتمل.

 

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو المنطقة أمام مرحلة حساسة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الاعتبارات السياسية والإقليمية، بينما يظل مصير قواعد الاشتباك الجديدة مرهونا بما ستكشفه التطورات المقبلة على الأرض.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 2