قرار أمريكي يعكس إعادة ترتيب إدارة الملفات
أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو استمرار توم براك في إدارة الملفين السوري والعراقي، رغم انتهاء مهمته الرسمية كمبعوث خاص إلى سوريا، وهو ما عُدّ خطوة تتجاوز الطابع الإداري داخل وزارة الخارجية الأمريكية.
ويأتي هذا القرار في سياق تحولات أوسع في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، حيث تتجه واشنطن إلى إعادة صياغة أدواتها في التعامل مع ملفات المنطقة، مع تركيز متزايد على الاستقرار وإعادة الإعمار والتنسيق الأمني الإقليمي.
كما يكتسب القرار أهمية إضافية كون براك يشغل أيضاً منصب السفير الأمريكي لدى تركيا، ما يمنحه موقعاً يربط بين ملفات سوريا والعراق وتركيا ضمن شبكة واحدة من المصالح الإقليمية.
سوريا ضمن إعادة صياغة الأولويات الأمريكية
تشير التطورات إلى أن سوريا باتت أكثر حضوراً في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية مقارنة بالسنوات الماضية، حيث لم تعد تُدار كملف معزول، بل ضمن إطار إقليمي يشمل العراق ولبنان وتركيا.
ويرى باحثون أن هذا التحول يعكس انتقالاً تدريجياً في طريقة تعامل واشنطن مع سوريا، من التركيز الأمني المحدود إلى مقاربة أوسع تربط الاستقرار السياسي بالاستقرار الإقليمي.
وبحسب هذا التوجه، أصبحت قضايا مثل مكافحة تنظيم الدولة، ومستقبل قوات سوريا الديمقراطية، وأمن الحدود، والعقوبات الاقتصادية، جزءاً من ملف واحد مترابط.
قراءة في التحول من منظور بحثي
يرى الباحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات” بواشنطن عمار جلو أن توسيع صلاحيات براك لا يمكن اعتباره مجرد تعديل إداري، بل يعكس تحولاً في موقع سوريا داخل الرؤية الأمريكية.
ويشير إلى أن هذا التغيير يأتي بعد مرحلة شهدت تغيرات سياسية في سوريا في 8 ديسمبر 2024، ما أدى إلى إعادة إدراج الملف السوري ضمن أولويات واشنطن بشكل أوضح.
ويضيف أن الاستقرار في سوريا بات يُنظر إليه كعنصر مؤثر في استقرار المشرق، وليس كقضية منفصلة، بل ضمن شبكة مترابطة تشمل العراق ولبنان وتركيا وإسرائيل.
العقوبات وإعادة الإعمار ضمن المقاربة الجديدة
من بين أبرز الملفات التي قد تتأثر بهذا التحول، ملف العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا، حيث يرجح مراقبون أن يؤدي توسيع دور براك إلى تعزيز النقاش داخل الإدارة الأمريكية حول تخفيف بعض القيود.
ويرى باحثون أن إعادة الإعمار باتت جزءاً من النقاش الأمريكي، باعتبار أن الاستقرار الاقتصادي يُعد شرطاً للاستقرار السياسي والأمني.
كما تشير التقديرات إلى أن السياسة الأمريكية قد تتجه نحو مقاربة أكثر مرونة إذا ثبت أن ذلك يخدم أهداف الاستقرار طويلة المدى في سوريا والمنطقة.
ترابط أمني بين سوريا والعراق
يكتسب الدمج بين الملفين السوري والعراقي أهمية خاصة من زاوية الأمن الإقليمي، إذ تعتبر واشنطن أن التهديدات العابرة للحدود بين البلدين مترابطة بشكل مباشر.
ويشمل ذلك استمرار نشاط تنظيم الدولة، إضافة إلى ملف الفصائل المسلحة غير النظامية، وتحركاتها عبر الحدود بين البلدين.
ويرى مراقبون أن إدارة الملفين عبر مسؤول واحد قد تعزز التنسيق الأمني وتبادل المعلومات، وتقلل من تشتت القرار داخل المؤسسات الأمريكية.
ملف قوات سوريا الديمقراطية وتعقيدات إقليمية
يشكل ملف قوات سوريا الديمقراطية أحد أبرز الملفات المتداخلة في المقاربة الأمريكية، نظراً لارتباطه بالعلاقة مع دمشق وأنقرة، إضافة إلى الوجود العسكري الأمريكي في شمال شرق سوريا.
ويرى باحثون أن إدارة هذا الملف ضمن إطار موحد قد تساعد على تقليل التباينات بين الأطراف المعنية، خصوصاً مع تداخل الاعتبارات الأمنية التركية مع السياسة الأمريكية في المنطقة.
كما يرتبط الملف باتجاهات أوسع في المنطقة نحو تقليص دور القوى المسلحة غير الحكومية وتعزيز دور مؤسسات الدولة.
مقاربة إقليمية أكثر اتساقاً
تشير قراءات سياسية إلى أن واشنطن تتحرك نحو توحيد مقاربتها للملفات المتداخلة في الشرق الأوسط، بحيث يتم التعامل مع سوريا والعراق ولبنان وتركيا ضمن رؤية واحدة.
ويرى باحثون أن هذا التوجه قد يساهم في تقليل التناقضات بين المؤسسات الأمريكية المختلفة، وتسريع اتخاذ القرار في الملفات المعقدة.
ومع استمرار إعادة صياغة السياسة الأمريكية في المنطقة، يبدو أن سوريا باتت جزءاً من مقاربة أوسع تربط بين الأمن والاستقرار وإعادة الإعمار والتوازنات الإقليمية.