شهدت أسعار الذهب العالمية انخفاضًا ملحوظًا خلال تعاملات الجمعة عقب صدور بيانات سوق العمل الأمريكية التي جاءت أفضل من توقعات الأسواق، ما عزز التقديرات باستمرار السياسة النقدية المتشددة في الولايات المتحدة لفترة أطول، في وقت لا تزال فيه المخاوف التضخمية قائمة نتيجة التوترات العسكرية في المنطقة.
وانخفض سعر الذهب الفوري بنسبة 2.5% ليصل إلى 4367 دولارًا للأونصة، ليرفع بذلك خسائره الأسبوعية إلى نحو 4%. كما تراجعت العقود الآجلة الأمريكية للذهب تسليم أغسطس بنسبة 2.55% مسجلة 4389 دولارًا للأونصة.
بيانات التوظيف تعيد تشكيل توقعات الأسواق
جاءت الضغوط على المعدن الأصفر بعد صدور تقرير الوظائف الأمريكي الذي أظهر استمرار متانة سوق العمل، في إشارة اعتبرها المستثمرون داعمة لاستمرار أسعار الفائدة المرتفعة. وأظهرت البيانات الرسمية إضافة 172 ألف وظيفة جديدة خلال شهر مايو، متجاوزة بشكل واضح توقعات الأسواق التي كانت تشير إلى إضافة 85 ألف وظيفة فقط.
ورغم أن الرقم المسجل جاء أقل من مستوى 179 ألف وظيفة المسجل في الشهر السابق بعد مراجعته بالرفع، فإن النتيجة الإجمالية عكست استمرار قوة الاقتصاد الأمريكي وقدرته على خلق فرص عمل بوتيرة تفوق التوقعات.
وفي المقابل، استقر معدل البطالة عند 4.3% دون تغيير عن الشهر السابق، متوافقًا مع تقديرات المحللين، وهو ما يشير إلى استمرار حالة الاستقرار النسبي في سوق العمل الأمريكي رغم التباطؤ التدريجي مقارنة بالمستويات القياسية التي شهدتها السنوات الماضية.
أما متوسط الأجر في الساعة فقد ارتفع بنسبة 0.3% على أساس شهري خلال مايو، وهو المستوى نفسه الذي توقعته الأسواق، مقارنة بزيادة بلغت 0.2% في الشهر السابق. وعلى أساس سنوي، سجل نمو الأجور 3.4%، مطابقًا للتوقعات لكنه أقل من القراءة السابقة البالغة 3.6%، ما يعكس استمرار التراجع التدريجي في وتيرة نمو الأجور رغم بقائها عند مستويات مرتفعة نسبيًا.
ويرى محللون في أسواق السلع أن هذه البيانات دفعت المستثمرين إلى إعادة تقييم توقعاتهم لمسار السياسة النقدية الأمريكية، خاصة مع استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والمخاوف المتعلقة بالتضخم، الأمر الذي يقلص احتمالات خفض أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.
عوائد السندات ترتفع وتضغط على المعدن الأصفر
أدى صدور بيانات الوظائف القوية إلى ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية، ما زاد من جاذبية الأصول التي توفر عائدًا مقارنة بالذهب الذي لا يمنح حامليه أي عائد دوري.
وفي الوقت ذاته، واصلت أسعار النفط تحقيق مكاسب أسبوعية بدعم من استمرار التوترات العسكرية بين إسرائيل وإيران، ما عزز المخاوف من استمرار الضغوط التضخمية على الاقتصاد العالمي.
ومنذ اندلاع المواجهة العسكرية بين الجانبين في أواخر فبراير، فقد الذهب أكثر من 16% من قيمته، بعدما ساهم ارتفاع أسعار النفط وتزايد المخاوف التضخمية في دفع الأسواق إلى توقع استمرار السياسات النقدية المتشددة لدى البنوك المركزية الكبرى.
ورغم أن الذهب يعد تقليديًا أحد أبرز أدوات التحوط من التضخم وعدم اليقين الاقتصادي، فإن ارتفاع أسعار الفائدة يقلل عادة من جاذبيته الاستثمارية بسبب زيادة تكلفة الاحتفاظ به مقارنة بالأدوات المالية الأخرى.
رهانات متزايدة على تشديد السياسة النقدية
عقب صدور تقرير الوظائف، رفعت الأسواق المالية توقعاتها بشأن تشديد السياسة النقدية الأمريكية خلال الأشهر المقبلة، حيث بدأ المستثمرون في تسعير زيادة كاملة بمقدار ربع نقطة مئوية على أسعار الفائدة بحلول ديسمبر المقبل.
كما ارتفعت التوقعات بإمكانية تنفيذ هذه الزيادة خلال شهر أكتوبر، مع وصول احتمالات ذلك إلى نحو 60% وفق تسعيرات الأسواق، ما يعكس التحول الكبير في نظرة المستثمرين بعد صدور بيانات التوظيف الأخيرة.
وقبل نشر التقرير، كانت التقديرات السائدة تشير إلى أن أي خطوة جديدة من جانب مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد لا تأتي قبل مارس المقبل، إلا أن قوة البيانات دفعت المتعاملين إلى تعديل توقعاتهم بشكل واضح.
ويحافظ الاحتياطي الفيدرالي حاليًا على سعر الفائدة الرئيسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5% و3.75% منذ ديسمبر الماضي.
تراجع جماعي للمعادن النفيسة
لم تقتصر الخسائر على الذهب وحده، إذ امتدت موجة التراجع إلى بقية المعادن النفيسة مع استمرار قوة الدولار الأمريكي وارتفاع عوائد السندات.
وانخفضت أسعار الفضة الفورية بنسبة 5.7% لتصل إلى 69.7 دولارًا للأونصة، فيما تراجع البلاتين بنسبة 1.8% إلى 1865.30 دولارًا للأونصة، وهبط البلاديوم بنسبة 1.2% ليسجل 1304.95 دولارات للأونصة.
وتتجه المعادن الثلاثة إلى تسجيل خسائر أسبوعية في ظل تنامي التوقعات باستمرار السياسة النقدية المتشددة في الولايات المتحدة، إلى جانب صعود العملة الأمريكية وزيادة الضغوط على أسواق المعادن العالمية.