استنزاف متصاعد يعيد رسم معركة قلعة الشقيف

2026.06.03 - 19:48
Facebook Share
طباعة

 أعلن الجيش الإسرائيلي في 31 مايو/أيار الماضي سيطرته على قلعة الشقيف في جنوب لبنان، مقدما هذا التطور باعتباره تقدما عسكريا ميدانيا مهما، غير أن المعطيات اللاحقة خلال الساعات الثماني والأربعين التالية أظهرت تحولا في طبيعة المعركة، مع تصاعد الخسائر وتزايد وتيرة الاستهدافات في محيط الموقع، ما أعاد طرح سؤال حول جدوى السيطرة الميدانية في ظل التطور التكنولوجي في ساحة القتال.

 

حصيلة الخسائر وتطور الاستنزاف

تشير البيانات الميدانية إلى أن الخسائر الإسرائيلية شهدت منحى تصاعديا منذ 17 أبريل/نيسان مع بدء سريان وقف إطلاق النار مع حزب الله، حيث بلغ إجمالي القتلى 14 جنديا وضابطا خلال هذه الفترة.

وخلال شهر مايو/أيار وحده سُجلت ثماني حالات قتل، فيما شهد 1 يونيو/حزيران أعلى حصيلة يومية بوقوع قتيلين في يوم واحد، في مؤشر على تزايد الضغط الميداني في جبهة الجنوب اللبناني.

وبحسب المعطيات، أسفرت الاشتباكات المرتبطة بمحيط قلعة الشقيف بين 31 مايو/أيار و1 يونيو/حزيران عن مقتل ثلاثة عسكريين إسرائيليين، بينهم ضابط طبيان وجنديان من وحدات مختلفة، إلى جانب تسجيل 14 إصابة، من بينها إصابات وُصفت بالخطيرة.

 

عمليات ميدانية مكثفة في محيط القلعة

تكشف بيانات العمليات خلال الفترة نفسها عن تنفيذ 15 عملية عسكرية منسوبة إلى حزب الله في المنطقة، تركزت تسع منها في محيط قلعة الشقيف، فيما نُفذت ست عمليات إضافية في الأطراف الشرقية لبلدة يحمر الشقيف.

وشملت هذه العمليات استخداما مكثفا للطائرات المسيرة، حيث جرى تنفيذ ثماني هجمات عبر هذا السلاح، استهدفت مواقع عسكرية، بينها تدمير رادار للتشويش، إضافة إلى استخدام الصواريخ وقذائف المدفعية في سبع عمليات أخرى استهدفت تجمعات عسكرية وآليات ميدانية.

وتنوعت الأهداف بين تجمعات لجنود المشاة، وتجمعات مشتركة للآليات والقوات، إضافة إلى استهداف دبابات وآليات عسكرية من بينها دبابة ميركافا، فضلا عن ضرب مواقع يتحصن فيها جنود داخل مبانٍ في أكثر من عملية.

 

تحولات الجغرافيا العسكرية في الميدان

يرى الخبير العسكري اللبناني حسن جوني أن التطور التكنولوجي، ولا سيما في مجال الطائرات المسيرة، قلل من أهمية المرتفعات الجغرافية التقليدية في العمليات العسكرية، مشيرا إلى أن قلعة الشقيف لم تعد تشكل نقطة تحصين، بل أصبحت مكشوفة أمام المرتفعات المحيطة الممتدة من النبطية إلى إقليم التفاح.

ويذهب جوني إلى أن السيطرة الإسرائيلية على الموقع تأتي في إطار محاولة تثبيت ما يعرف بالخط الأمني أو "الخط الأصفر"، بهدف إنشاء منطقة عازلة، غير أن هذا التموضع يجعل القوات المنتشرة في الموقع عرضة لاستهدافات متكررة.

 

قراءة إسرائيلية لمحدودية الإنجاز

في المقابل، اعتبر محللون عسكريون إسرائيليون أن السيطرة على القلعة لا توفر حماية فعلية للمناطق القريبة، بما في ذلك مستوطنة المطلة التي تبعد نحو أربعة كيلومترات، مشيرين إلى أن الخطوة تحمل بعدا تكتيكيا أكثر من كونها تحولا استراتيجيا.

وطرح بعض المراسلين العسكريين تساؤلات حول جدوى البقاء في الموقع في ظل تعرض القوات لاحتمال استهداف متواصل بالصواريخ والطائرات المسيرة، ما يجعل المكاسب الميدانية موضع نقاش داخلي.

 

تفوق ميداني قائم على الطائرات المسيرة

تظهر المشاهد الميدانية المتداولة استخداما واسعا للطائرات المسيرة الانقضاضية في عمليات الاستهداف، حيث وثقت تسجيلات مطاردة مباشرة لجنود وآليات عسكرية داخل محيط القلعة، وصولا إلى إصابة أهدافها بدقة عالية.

كما أظهرت لقطات أخرى عمليات استطلاع ليلي باستخدام تقنيات التصوير الحراري، ما يشير إلى قدرة على تتبع التحركات العسكرية في محيط الموقع بشكل مستمر.

وفي مشاهد لاحقة، جرى توثيق تحليق طائرات مسيرة استطلاعية فوق القلعة ومحيطها، بالتزامن مع رسائل إعلامية حملت دلالات رمزية حول السيطرة الميدانية، في إطار حرب نفسية موازية للعمليات العسكرية.

 

إعادة تعريف مفهوم السيطرة الميدانية

تشير مجمل التطورات إلى أن السيطرة المعلنة على قلعة الشقيف لم تتحول إلى استقرار ميداني، بقدر ما أدت إلى ارتفاع وتيرة الاستنزاف في محيطها، مع تزايد استخدام الطائرات المسيرة والعمليات الدقيقة في استهداف القوات المنتشرة.

وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن المعادلة الميدانية في جنوب لبنان باتت تقوم على تقاطع السيطرة الجغرافية مع الاستنزاف المستمر، ما يعيد تعريف مفهوم "التموضع الآمن" في بيئة عسكرية تتغير أدواتها بسرعة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 10