أعاد إعلان الجيش الإسرائيلي السيطرة على قلعة الشقيف التاريخية في جنوب لبنان فتح النقاش حول الأهمية الحقيقية لهذا التقدم العسكري، وما إذا كان يمثل تحولا ميدانيا مؤثرا أم أن قيمته الأساسية تكمن في أبعاده السياسية والرمزية.
وجاء الإعلان الإسرائيلي بعد عمليات عسكرية مكثفة في محيط النبطية ووادي السلوقي، حيث أكدت تل أبيب أن قواتها أحكمت السيطرة على القلعة الواقعة على مرتفع يزيد ارتفاعه على 700 متر، ويشرف على مناطق واسعة من جنوب لبنان وصولا إلى نهر الليطاني ومستوطنة المطلة.
موقع يمنح أفضلية ميدانية
تعد قلعة الشقيف من أبرز المواقع المرتفعة في المنطقة، إذ توفر قدرة واسعة على المراقبة والرصد وتمنح من يسيطر عليها إمكانية متابعة التحركات على عدد من المحاور الحيوية.
ويشمل نطاق الإشراف المباشر للقلعة مناطق واسعة تمتد نحو النبطية ومرجعيون وأرنون وكفرتبنيت ويحمر وزوطر، إضافة إلى أجزاء من القطاع الشرقي لجنوب لبنان، ما يمنح الموقع أهمية عملياتية واستخباراتية واضحة.
كما تسمح الطبيعة المرتفعة للموقع بتعزيز قدرات المراقبة وتوجيه النيران ومتابعة خطوط الحركة والإمداد في محيط واسع.
تشكيك في حجم الإنجاز
رغم ذلك، برزت آراء تعتبر أن التغطية الإسرائيلية للسيطرة على القلعة تتجاوز حجم الإنجاز العسكري الفعلي.
ويرى عدد من المراقبين أن الشقيف، رغم أهميتها الجغرافية، لا تمثل بحد ذاتها نقطة حسم في المواجهة الدائرة، خاصة أن طبيعة القتال الحالية تختلف بصورة كبيرة عن الحروب التقليدية التي تعتمد على السيطرة على المواقع الثابتة والتحصينات العسكرية.
وتستند هذه القراءة إلى أن المعارك الجارية تعتمد بدرجة أكبر على الحركة السريعة والانتشار اللامركزي واستخدام الوسائل القتالية المتحركة، ما يقلل من تأثير السيطرة على موقع جغرافي منفرد مهما بلغت أهميته.
تغير طبيعة المواجهة
تشير تقديرات ميدانية إلى أن حزب الله يعتمد في عملياته على أساليب قتالية مختلفة تقوم على المرونة والانتشار وعدم التمركز في مواقع ثابتة يمكن استهدافها أو السيطرة عليها.
وفي هذا السياق، يرى متابعون أن السيطرة على القلاع أو المواقع المرتفعة لا تؤدي بالضرورة إلى إضعاف القدرات القتالية للحزب، الذي يعتمد بصورة أساسية على الكمائن والهجمات السريعة والصواريخ والطائرات المسيّرة.
كما أن التطور التكنولوجي في وسائل الاستطلاع والاستهداف جعل أهمية المواقع الثابتة أقل مقارنة بما كانت عليه في العقود الماضية.
أبعاد تاريخية تتجاوز الميدان
وتحمل قلعة الشقيف مكانة خاصة في الذاكرة العسكرية الإسرائيلية بسبب المعارك التي شهدتها خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، حين خاضت القوات الإسرائيلية مواجهات عنيفة للسيطرة عليها.
كما استخدمت القلعة لاحقا كقاعدة عسكرية رئيسية خلال سنوات الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان قبل الانسحاب عام 2000.
ويرى مراقبون أن جزءا من الاهتمام الإسرائيلي الحالي بالموقع يرتبط بهذه الخلفية التاريخية، حيث تمثل العودة إلى القلعة بالنسبة للمؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية حدثا يحمل أبعادا معنوية تتجاوز المكاسب العسكرية المباشرة.
معضلة الاحتفاظ بالمواقع
في المقابل، يركز عدد من المحللين على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الوصول إلى المواقع المرتفعة أو السيطرة عليها لفترة محدودة، بل في القدرة على الحفاظ عليها وتأمينها على المدى الطويل.
فالتجارب السابقة في جنوب لبنان أظهرت أن التقدم العسكري السريع لا يضمن بالضرورة تحقيق نتائج استراتيجية دائمة، خاصة في بيئة ميدانية معقدة تتسم بالتضاريس الصعبة واتساع نطاق المواجهات.
كما أن أي انتشار طويل الأمد يتطلب موارد بشرية وعسكرية إضافية ويزيد من احتمالات التعرض لهجمات الاستنزاف.
استمرار المواجهة رغم السيطرة
وتزامنت الأنباء المتعلقة بالسيطرة على القلعة مع استمرار التوتر العسكري على الجبهة اللبنانية، حيث استمرت عمليات القصف المتبادل والهجمات الصاروخية في عدد من المناطق الحدودية.
ويرى متابعون أن استمرار إطلاق الصواريخ والاشتباكات بعد الإعلان عن السيطرة على الشقيف يعكس أن المعركة لم تشهد تحولا حاسما حتى الآن، وأن السيطرة على الموقع لم تؤد إلى إنهاء التهديدات الأمنية أو تغيير طبيعة المواجهة بشكل جذري.
وبينما تمنح قلعة الشقيف أفضلية ميدانية واضحة من حيث الرصد والإشراف على مناطق واسعة، تبقى قدرتها على إحداث تغيير استراتيجي شامل مرتبطة بتطورات الميدان الأوسع، وبمدى قدرة القوات الإسرائيلية على تثبيت وجودها في المناطق التي دخلتها خلال العمليات الأخيرة.