تشهد المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة مرحلة دقيقة تتداخل فيها الحسابات السياسية الداخلية مع الضغوط الخارجية، وسط استمرار النقاش بشأن صياغة مذكرة تفاهم قد تمهد لتسوية عدد من الملفات العالقة بين الجانبين.
وترافق الحراك الدبلوماسي مع تباين واضح في المواقف داخل مؤسسات الحكم الإيرانية، في وقت طرأت فيه تعديلات أمريكية جديدة على بنود التفاهم المطروح، ما أضاف مزيدا من التعقيد إلى مسار المباحثات.
انقسام داخل النخبة الإيرانية
تشير التقديرات السياسية إلى وجود اختلافات في الرؤى بين التيارات السياسية الإيرانية بشأن كيفية التعامل مع التفاهم المحتمل مع واشنطن.
ففي حين ترى أطراف محسوبة على التيار الإصلاحي أن الظروف الاقتصادية الحالية تفرض التوصل إلى اتفاق يخفف الضغوط المفروضة على البلاد، تتمسك شخصيات من التيار المحافظ بمواقف أكثر تشددا تجاه الملفات الإقليمية والاستراتيجية المرتبطة بالمفاوضات.
وتسعى شخصيات بارزة داخل مؤسسات الدولة إلى منع تحول هذه الخلافات إلى مواجهة سياسية علنية قد تؤثر على تماسك الموقف الإيراني خلال المرحلة الحساسة التي تمر بها المفاوضات.
بزشكيان يدعو إلى مصارحة الرأي العام
في خضم النقاشات الدائرة، دعا الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى مصارحة المواطنين بالتحديات الاقتصادية والظروف التي تواجهها البلاد.
وأكد أن استمرار الضغوط الخارجية والعقوبات الاقتصادية خلق تحديات كبيرة أمام الإدارة الاقتصادية، مشيرا إلى أن معالجة هذه الملفات تتطلب قرارات دقيقة وتعاونا مجتمعيا أوسع.
كما شدد على أهمية إشراك الرأي العام في فهم طبيعة المرحلة الحالية، معتبرا أن مواجهة الأزمات تتطلب وضوحا أكبر في عرض الوقائع والتحديات.
الحرس الثوري يتمسك بأوراق الضغط
في المقابل، يواصل الحرس الثوري الإيراني التمسك بعدد من الملفات التي يعتبرها عناصر أساسية في أي تفاهم مستقبلي مع الولايات المتحدة.
وتبرز ضمن هذه الملفات قضية مضيق هرمز والتطورات الجارية في لبنان، حيث ترى أوساط مرتبطة بالمؤسسة العسكرية الإيرانية أن أي اتفاق يجب أن يأخذ بعين الاعتبار التوازنات الإقليمية القائمة وعدم الفصل بين الملفات المختلفة.
ويعكس هذا التوجه اختلافا نسبيا في المقاربة بين بعض المؤسسات السياسية والأمنية داخل إيران بشأن الأولويات التفاوضية والضمانات المطلوبة.
حساسية الإعلان عن أي اتفاق
يواجه المسؤولون الإيرانيون تحديا إضافيا يتعلق بكيفية تقديم أي تفاهم محتمل للرأي العام الداخلي.
فالتجارب السابقة المرتبطة بالاتفاقات مع القوى الغربية ما زالت حاضرة في الذاكرة السياسية الإيرانية، ما يجعل إعلان أي اتفاق جديد مسألة شديدة الحساسية بسبب احتمالات تعرض داعميه لانتقادات من الأطراف المعارضة داخل النظام السياسي.
ولهذا السبب تتعامل المؤسسات الإيرانية بحذر مع مسألة الإعلان عن نتائج المفاوضات أو تحمل المسؤولية السياسية المباشرة عن أي تفاهم نهائي.
واشنطن تشدد شروطها
على الجانب الأمريكي، أظهرت الإدارة الأمريكية موقفا أكثر تشددا خلال المراحل الأخيرة من المفاوضات.
وتفيد المعطيات المتداولة بأن واشنطن تطالب بضمانات واضحة تتعلق بحرية الملاحة في مضيق هرمز، وآليات التعامل مع اليورانيوم عالي التخصيب، إضافة إلى ترتيبات تضمن عدم امتلاك إيران سلاحا نوويا مستقبلا.
كما تشير التقارير إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يفضل اتباع سياسة تفاوضية تقوم على إطالة النقاشات والحصول على تنازلات إضافية قبل إقرار أي تفاهم نهائي.
الملف النووي والعقوبات في صلب الخلاف
لا تزال آلية رفع العقوبات والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة من أبرز نقاط الخلاف بين الطرفين.
فبينما تسعى طهران إلى الحصول على مكاسب اقتصادية ملموسة مقابل التزاماتها، تبدي واشنطن تحفظات بشأن الإفراج المباشر عن الأصول المالية الإيرانية، مفضلة صيغاً أكثر تقييدا ترتبط بالمساعدات الإنسانية أو المشاريع الخاضعة للرقابة.
وتعكس هذه التباينات استمرار الفجوة بين الجانبين رغم التقدم الذي تحقق في بعض المسارات التفاوضية.
ارتباط الملفات الإقليمية بالمفاوضات
يرى مراقبون أن المفاوضات الحالية لم تعد تقتصر على الملف النووي فقط، بل باتت تشمل ملفات إقليمية أوسع تتعلق بموازين القوى في الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، تبرز التطورات في لبنان ومضيق هرمز كعناصر ضغط متبادلة بين الطرفين، حيث يسعى كل جانب إلى تعزيز موقعه التفاوضي عبر الأوراق التي يمتلكها على الساحة الإقليمية.
كما تشير تقديرات سياسية إلى أن التصعيد العسكري في بعض الساحات الإقليمية قد يكون جزءا من مناخ الضغط المتبادل الذي يرافق المفاوضات، في محاولة لتحسين شروط التفاوض قبل الوصول إلى أي صيغة نهائية.
مفاوضات مفتوحة على عدة احتمالات
ورغم استمرار الاتصالات بين الجانبين، لا تزال المفاوضات تواجه عقبات سياسية وأمنية معقدة، في ظل غياب جدول زمني واضح للتوصل إلى اتفاق نهائي.
وبين ضغوط الاقتصاد الإيراني، والخلافات داخل مراكز القرار في طهران، وتشدد المطالب الأمريكية، تبدو فرص التوصل إلى تفاهم قائمة، لكنها تبقى مرتبطة بقدرة الطرفين على تجاوز الملفات الخلافية والتوصل إلى صيغة توازن بين المصالح المتعارضة لكل منهما.