بين الصواريخ والممرات… روسيا تعيد تشكيل نفوذها العالمي

2026.05.31 - 10:56
Facebook Share
طباعة

تأتي التطورات العسكرية والاقتصادية الروسية في سياق تصاعد التوتر مع أوكرانيا وتزايد التنافس الجيوسياسي مع الغرب، حيث تربط موسكو بين العمليات العسكرية والتحركات الدبلوماسية ومسارات الطاقة والتجارة، في إطار رؤية أوسع لإعادة تشكيل موازين القوى الدولية.


تصعيد عسكري في كييف
شهدت العاصمة الأوكرانية كييف واحدة من أعنف موجات القصف منذ بداية الحرب، بعد استخدام القوات الروسية صاروخ «أوريشنيك» الباليستي الفرط صوتي في هجوم واسع استهدف المدينة ومناطق أخرى.
وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن كييف كانت الهدف الرئيسي للهجوم، مشيرًا إلى أن أنظمة الدفاع الجوي لم تتمكن من اعتراض جميع الصواريخ الباليستية التي أُطلقت خلال العملية.


ويُصنف صاروخ «أوريشنيك» ضمن الصواريخ الروسية متوسطة المدى العاملة بالوقود الصلب، وتفيد تقارير عسكرية روسية وغربية بأنه قادر على تجاوز سرعة 10 ماخ، مع قدرة عالية على المناورة وصعوبة اعتراضه بالأنظمة الدفاعية الحالية.


ردود فعل أوروبية وتحذيرات
وصفت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس الهجوم بأنه «مقامرة نووية متهورة»، معتبرة أن استخدام صاروخ يمكن تهيئته لحمل رؤوس نووية يمثل رسالة ردع سياسية وعسكرية في آن واحد.
رسائل دبلوماسية وتحذيرات أمنية
أعلن سيرغي ريابكوف، نائب وزير الخارجية الروسي، أن وزير الخارجية سيرغي لافروف نقل إلى نظيره الأمريكي ماركو روبيو ضرورة إخلاء السفارة الأمريكية في كييف، في ظل بدء ضربات روسية قالت موسكو إنها تستهدف منشآت مرتبطة بالقوات الأوكرانية داخل العاصمة.


دعم أوكراني غربي متزايد

في المقابل، كثفت كييف مطالبها بالحصول على مزيد من أنظمة الدفاع الجوي الغربية، حيث طلب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تزويد بلاده بصواريخ إضافية لمنظومات «باتريوت»، في ظل تصاعد الهجمات الروسية بالطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى.


مناورات نووية روسية
أعلنت وزارة الدفاع الروسية تنفيذ مناورات استمرت ثلاثة أيام بين 19 و21 مايو/أيار، تضمنت تدريبات على استخدام القوات النووية في حال التعرض لتهديد عسكري واسع.
وتزامنت هذه التدريبات مع تصاعد الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيّرة على العمق الروسي، وسط تقارير غربية تتحدث عن تركيز موسكو على تطوير ما يُعرف بـ«قدرة الضربة الثانية»، أي ضمان القدرة على الرد النووي حتى في حال استهداف مراكز القيادة.


بحر قزوين ومسارات استراتيجية
تتجه الأنظار أيضاً إلى بحر قزوين باعتباره محورًا استراتيجيًا متصاعد الأهمية، مع تقارير غربية عن تطوير ممر تجاري يمتد من بحر البلطيق إلى المحيط الهندي، بمشاركة روسية وإيرانية.
ويهدف هذا المسار إلى تقليل الاعتماد على الممرات البحرية الخاضعة للرقابة الغربية، وكسر العزلة الاقتصادية، بما يعكس تداخل الأبعاد العسكرية والاقتصادية في الاستراتيجية الروسية.


رؤية روسية للنظام الدولي

يرى خبراء في الشؤون الروسية أن العملية العسكرية في أوكرانيا تأتي ضمن تصور أوسع لإعادة تشكيل النظام الدولي، والانتقال من نظام القطب الواحد إلى نظام متعدد الأقطاب.
ويشير الخبراء إلى أن هذا التوجه يظهر في تصريحات الرئيس فلاديمير بوتين ووزير الخارجية سيرغي لافروف، إضافة إلى مواقف رسمية روسية أخرى، معتبرين أن ما يجري في أوكرانيا جزء من صراع عالمي يتجاوز حدود الجغرافيا.


اقتصاد وتحالفات متوسعة
وبالتوازي مع العمليات العسكرية، تعمل موسكو على تعزيز تحالفاتها الاقتصادية في مجالات الطاقة والتجارة والبنية التحتية الاستراتيجية، مع تركيز على المنافذ البحرية الحيوية مثل البحر الأسود وبحر آزوف وبحر قزوين.
كما توسّع روسيا علاقاتها مع الصين والهند ودول الجنوب العالمي، إلى جانب تعاونها مع مصر في مشروع محطة الضبعة النووية، في إطار دعم نفوذها في قطاع الطاقة.


أبعاد جيوسياسية أوسع
يرى مراقبون أن التحركات الروسية الممتدة من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط وبحر قزوين تعكس ترابطًا واضحًا بين المسارات العسكرية والاقتصادية والاستراتيجية.
ويشيرون إلى أن أوكرانيا والشرق الأوسط يمثلان ساحات مترابطة في الحسابات الروسية، خصوصًا مع اعتبار إيران شريكًا استراتيجيًا مهمًا لموسكو، وأن أي تراجع لنفوذها ينعكس مباشرة على الدور الروسي.


في المحصلة، تبدو السياسة الروسية في مرحلة إعادة تشكيل شاملة لدوائر نفوذها، حيث تتداخل الجبهات العسكرية في أوكرانيا مع المسارات الاقتصادية في بحر قزوين والتحالفات الدولية في آسيا والشرق الأوسط، بما يعكس مقاربة متعددة الأبعاد تهدف إلى ترسيخ حضور موسكو في نظام دولي آخذ في التحول. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 2