شهدت مناطق شرق سوريا، ولا سيما محافظتا الرقة ودير الزور، أضراراً واسعة نتيجة ارتفاع منسوب نهر الفرات وفتح بوابات مفيض سد الفرات. وتركزت الخسائر في المناطق الواقعة على ضفاف النهر، خاصة في المواقع التي شهدت توسعاً عمرانياً وزراعياً خلال سنوات الجفاف السابقة، حين تراجع منسوب المياه بشكل ملحوظ.
ومع اقتراب المياه من المناطق السكنية، امتدت آثار الفيضانات من أطراف محافظة الرقة مروراً بالميادين والعشارة وصولاً إلى مناطق في دير الزور والمناطق القريبة من الحدود العراقية. وأظهرت التقارير الميدانية مخاوف من اتساع نطاق الأضرار في حال استمرار تدفق المياه بالمستويات الحالية.
وبالتزامن مع ارتفاع منسوب النهر، اتخذت الجهات المعنية إجراءات طارئة على طول مجرى الفرات، تضمنت تحذيرات للسكان المقيمين في المناطق المنخفضة، مع دعوات للإخلاء الفوري من المنازل والمحال القريبة من مجرى النهر. كما شددت دائرة الإنذار المبكر في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث على احتمال ارتفاع إضافي في المنسوب قد يتجاوز مترين في بعض المواقع.
أسباب فيضانات الفرات
تعود أسباب الفيضانات إلى مجموعة عوامل متداخلة بدأت من مناطق منبع نهر الفرات في شرق تركيا، حيث شهدت تلك المناطق موسماً مطرياً وثلجياً كثيفاً. ومع ذوبان الثلوج بسرعة نتيجة الأمطار الربيعية الغزيرة، تدفقت كميات كبيرة من المياه نحو مجرى النهر بشكل مفاجئ.
وفي الوقت ذاته، امتلأت السدود التركية على نهر الفرات إلى مستويات مرتفعة، ما استدعى فتح بوابات المفيض لتخفيف الضغط، وهو ما أدى إلى زيادة تدفق المياه باتجاه الأراضي السورية عبر مجرى النهر.
كما ساهمت الأمطار الغزيرة داخل سوريا في رفع منسوب المياه، في وقت كانت فيه بحيرات السدود المحلية قريبة من الامتلاء. ومع وصول كميات إضافية من المياه، اضطرت الجهات المسؤولة إلى فتح مفيض سد الفرات لتجنب مخاطر الضغط الزائد على السد.
وأوضح وزير الطاقة السوري محمد البشير أن إدارة منظومة السدود في حوض الفرات وتشرين وكديران واجهت تحديات كبيرة نتيجة تغير مستويات المياه خلال الفترة الأخيرة، مشيراً إلى أن انخفاض المنسوب في سنوات سابقة كان حاداً إلى درجة تهديد بعض محطات الضخ بالخروج من الخدمة.
كما أشار إلى أن التنسيق المسبق مع الجانب التركي بشأن كميات المياه كان مخططاً له، إلا أن التحذيرات جاءت متأخرة نسبياً، ما دفع إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لفتح المفيضات مع إصدار إنذارات للسكان في المناطق المتأثرة.
أضرار الفيضانات على السكان والخدمات
أدت الفيضانات إلى أضرار إنسانية وزراعية وخدمية في محافظتي الرقة ودير الزور، حيث كانت الأخيرة الأكثر تضرراً بسبب وصول موجة المياه إليها بعد مرورها بالرقة. وشملت الأضرار غمر مساحات زراعية واسعة وتضرر آلاف العائلات التي تعيش في المناطق القريبة من ضفاف النهر.
وبحسب تقديرات رسمية، غمرت المياه نحو خمسة آلاف دونم من الأراضي الزراعية، فيما تأثرت أكثر من 2400 عائلة بشكل مباشر. وعلى الصعيد الخدمي، خرجت عشرات محطات ضخ المياه عن الخدمة نتيجة ارتفاع المنسوب، ما أثر على تزويد عدد من القرى بالمياه.
وأكدت السلطات المعنية أنه لم يتم تسجيل خسائر بشرية مباشرة نتيجة الفيضانات، رغم وقوع حالات غرق مرتبطة بالسباحة في مناطق تشهد تيارات مائية غير مستقرة. كما جرى نقل معدات ومحركات محطات الضخ إلى مواقع آمنة لتقليل حجم الخسائر، مع تأمين بدائل مائية للقرى المتضررة بالتعاون مع جهات دولية.
تقييم الوضع الحالي وانخفاض المخاطر
أعلن وزير الطاقة السوري أن مرحلة الخطر المرتبطة بارتفاع منسوب نهر الفرات قد تم تجاوزها، مع بدء تخفيض كميات المياه المارة عبر مفيض سد الفرات. وأوضح أن أحد المفيضات جرى تقليل تدفقه بمقدار مئة متر مكعب في الثانية، مع توقعات بإغلاق مفيض إضافي بشكل كامل خلال فترة قصيرة.
وأشار إلى أن استمرار تخفيض التصريف المائي سيؤدي تدريجياً إلى انخفاض منسوب النهر خلال نحو ثمانٍ وأربعين ساعة، مع احتمال تأخر ظهور الأثر الكامل لهذا الانخفاض في بعض المناطق.
التحول من الجفاف إلى الفيضانات
يمثل الوضع الحالي تحولاً لافتاً في المشهد المائي في شرق سوريا، بعد سنوات من الجفاف الحاد وتراجع منسوب نهر الفرات. فقد شهدت المنطقة انخفاضاً كبيراً في معدلات الأمطار وارتفاعاً في درجات الحرارة، ما أدى إلى تراجع تدفق النهر إلى مستويات متدنية خلال السنوات الماضية.
كما ساهمت سنوات النزاع في تدهور البنية التحتية المائية، وانخفاض إمدادات مياه الشرب، وتراجع الإنتاج الزراعي بشكل كبير، خاصة في محاصيل استراتيجية مثل القمح. وفي ظل هذه الظروف، توسع السكان في البناء بالقرب من مجرى النهر، ما زاد من حجم الأضرار الحالية عند ارتفاع منسوب المياه.
وتشير البيانات المناخية إلى تغيرات طويلة الأمد في المنطقة، حيث تراجع متوسط الأمطار، وانخفضت كميات المياه الواردة من نهر الفرات إلى مستويات أدنى من المعدلات التاريخية، رغم وجود اتفاقيات تنظيم لتدفق المياه بين الدول المتشاطئة.
سد الفرات ودوره في إدارة الأزمة
يقع سد الفرات، المعروف أيضاً بسد الطبقة، على بعد نحو خمسين كيلومتراً غرب مدينة الرقة، ويُعد من أكبر المنشآت المائية في سوريا. ويتميز السد بقدرة تخزينية كبيرة تتجاوز عشرة مليارات متر مكعب، وبنية هندسية صممت لتحمل الهزات الأرضية.
وقد لعب السد دوراً محورياً في إدارة تدفقات المياه خلال الأزمة الحالية، عبر تنظيم فتح بوابات المفيض لتخفيف الضغط على البحيرة التخزينية، ومنع مخاطر الانهيار أو الفيضانات غير المسيطر عليها.