كيف تمددت شبكات القرصنة بين اليمن والصومال؟

2026.05.26 - 18:03
Facebook Share
طباعة

تتصاعد المخاوف من عودة القرصنة إلى سواحل خليج عدن والقرن الأفريقي، بعد سلسلة عمليات اختطاف وهجمات بحرية تزامنت مع التوترات العسكرية في الخليج وتحويل جزء من الدوريات الدولية نحو مضيق هرمز، مما أوجد فراغاً أمنياً استغلته جماعات مسلحة وشبكات تهريب لإعادة تنشيط نفوذها البحري.

 

تشير تقارير أممية وأمنية إلى أن الأزمة تجاوزت حدود القرصنة التقليدية، لتتحول إلى شبكة معقدة تربط بين الحوثيين وحركة الشباب عبر مسارات التسليح والتدريب والتمويل والتنسيق الاستخباراتي.

 

فراغ أمني: تصاعد الهجمات

 

شهدت المنطقة منذ مطلع عام 2024 ارتفاعاً في عمليات السطو البحري، حيث سُجلت 47 عملية قرصنة وسط تراجع عمليات الردع الدولية وانشغال القوات الغربية بتأمين الملاحة في الخليج والبحر الأحمر.

 

تزامنت التطورات مع اختطاف سفن قبالة السواحل الصومالية، بينما لا يزال مصير ثمانية بحارة مصريين مجهولاً بعد احتجاز سفينتهم قرب بونتلاند.

 

تحالف خفي: مصالح مشتركة

 

أكد مستشار الأمن القومي الصومالي السابق حسين الشيخ علي أن نقطة التحول الأساسية جاءت في أبريل/نيسان 2024، حين وصلت العلاقة بين الحوثيين وحركة الشباب إلى "مستوى إستراتيجي" رغم غياب إعلان رسمي عن تحالف مباشر.

 

بحسب تقديرات أمنية، تسعى حركة الشباب إلى تطوير قدراتها العسكرية والحصول على الطائرات المسيّرة والأسلحة الحديثة بعد خسارة عدد من معاقلها الساحلية نتيجة الضربات الجوية.

 

في المقابل، يعمل الحوثيون على توسيع شبكاتهم البحرية ورصد حركة السفن وتنويع مصادر التمويل عبر الممرات البحرية في القرن الأفريقي.

 

أشار اللواء محمد عبد الواحد إلى أن هجوم حركة الشباب على قاعدة "ماندا باي" الأميركية في كينيا عقب اغتيال قاسم سليماني كشف وجود تقاطعات ميدانية بين الطرفين.

 

تهريب السلاح: ممرات مفتوحة

 

أظهرت دراسات أمنية أن القوارب الشراعية أصبحت الوسيلة الأبرز لنقل السلاح بين اليمن والقرن الأفريقي بسبب صعوبة تعقبها بحرياً.

 

كشفت دراسة صادرة عن المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية أن 18 سفينة محملة بأسلحة وصواريخ ومسيّرات ضُبطت بين 2015 و2024 في بحر العرب.

 

تشير التقارير إلى أن الأسلحة كانت تُنقل من موانئ يمنية مثل الحديدة والمخا ورأس عيسى باتجاه السواحل الصومالية.
أكد تقرير أممي صدر في فبراير/شباط 2025 أن حركة الشباب تلقت أسلحة وذخائر عبر ميناءي مركا وبراوة خلال الفترة بين يونيو/حزيران وسبتمبر/أيلول 2024.

 

تدريب وتنسيق: تبادل خبرات

 

أفادت تقارير أممية بأن مقاتلين من حركة الشباب تلقوا تدريبات في اليمن على استخدام المتفجرات والطائرات المسيّرة والأسلحة المضادة للطائرات.

 

كشف تقرير للأمم المتحدة صدر في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 أن أربع مجموعات تضم نحو 30 مقاتلاً من الحركة سافرت إلى اليمن خلال 2024 لتلقي تدريبات استمرت قرابة شهرين.

 

تحدثت تقارير أمنية أيضاً عن تدريب عناصر يمنية مرتبطة بالحوثيين داخل مناطق جبلية في الصومال على حرب العصابات والقتال غير المتكافئ.

 

أكد مسؤولون أمنيون في بونتلاند حصول قراصنة صوماليين على أجهزة تحديد مواقع متطورة وأسلحة حديثة من الحوثيين، مما ساعدهم على تعقب السفن التجارية بدقة أكبر.

 

اقتصاد الظل: أموال وشبكات

 

امتد التعاون بين الحوثيين وحركة الشباب إلى شبكات مالية واستثمارات بحرية معقدة.

 

أوضح تقرير لـ المركز الأفريقي للدراسات الإستراتيجية أن الهجمات على السفن وعدم الاستقرار في البحر الأحمر يدران على الحوثيين نحو 180 مليون دولار شهرياً عبر رسوم وعمليات تهريب مرتبطة بالملاحة.

 

كشفت تقارير أمنية أن حركة الشباب أنشأت وحدة استخبارات بحرية ومكتباً للتعدين خلال أبريل/نيسان 2024، بينما توسعت استثمارات مرتبطة بالحوثيين داخل الصومال في مجالات النقل البحري وشراء القوارب.

 

يمتد اقتصاد التهريب ليشمل تهريب المهاجرين والمخدرات والموارد الطبيعية والفحم، في شبكة عابرة للحدود تربط اليمن والصومال وجيبوتي وإريتريا.

 

الدور الإيراني: نفوذ ممتد

 

تقود معظم خيوط التمويل والتسليح في النهاية إلى إيران، التي تنظر إلى القرن الأفريقي باعتباره امتداداً لنفوذها في البحر الأحمر والمحيط الهندي.

 

أشارت تقارير بحثية إلى أن الحرس الثوري الإيراني لعب دوراً محورياً في تنظيم تهريب الأسلحة إلى الحوثيين منذ 2015، قبل انتقال جزء من هذه الشبكات إلى السواحل الأفريقية.

 

كشفت تحقيقات أممية أن بعض الشحنات التي كانت تُصنف على أنها مواد زراعية احتوت على مركبات تستخدم في تصنيع وقود الصواريخ.

 

رغم عدم وجود علاقات دبلوماسية حالياً بين إيران والصومال منذ طرد البعثة الإيرانية من مقديشو عام 2016، فإن تقارير أمنية تؤكد استمرار محاولات طهران توسيع نفوذها داخل المنطقة.

 

نفي رسمي: ردود متباينة

 

تعاملت الحكومة الفدرالية الصومالية بحذر مع الاتهامات المتعلقة بوجود تحالف مباشر بين الحوثيين وحركة الشباب.

 

أكدت مقديشو أنها تتابع التطورات الأمنية البحرية وتعمل على تعزيز قدرات خفر السواحل والتعاون مع الاتحاد الأوروبي وشركاء دوليين، لكنها شددت على عدم وجود أدلة قاطعة تثبت وجود شراكة إستراتيجية رسمية بين الطرفين.

 

رفضت الحكومة كذلك اتهامات تتعلق بوجود تعاون مالي ولوجستي واسع بين الجماعتين.

 

من جهتهم، ينفي الحوثيون أي علاقة لهم بعمليات القرصنة، ويؤكدون أن عملياتهم البحرية تستهدف فقط السفن المرتبطة بإسرائيل والولايات المتحدة وبريطانيا.

 

اعتبر مقربون من الجماعة أن ربط الحوثيين بحركة الشباب جزء من "حملة أميركية" لتبرير الوجود العسكري الغربي في البحر الأحمر وباب المندب.

 

تهديد مفتوح: مخاطر متصاعدة

 

يحذر خبراء أمنيون من أن استمرار الحرب في الخليج والبحر الأحمر قد يدفع المنطقة نحو مرحلة أكثر خطورة من الفوضى البحرية.

 

ترى تقديرات دولية أن القرصنة تحولت من نشاط إجرامي محدود إلى أداة جيوسياسية تستخدمها جماعات مسلحة لإرباك التجارة والطاقة وفرض ضغوط إقليمية ودولية.

 

وتبقى أزمة البحارة المختطفين والسفن المحتجزة دليلاً على اتساع التهديد، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تحول القرن الأفريقي إلى واحدة من أخطر بؤر التوتر البحري في العالم.
 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 1