تبدو منطقة ترحين قرب مدينة الباب بريف حلب الشمالي الشرقي كمنطقة صناعية نفطية نشأت بشكل غير رسمي، لكنها تحولت خلال سنوات الثورة السورية إلى مركز اقتصادي حيوي اعتمدت عليه آلاف العائلات في شمال غربي سوريا، حيث تنتشر مئات الحراقات البدائية بين الأراضي المفتوحة والمنشآت المؤقتة.
ومع قرار إيقاف هذا النشاط، يعيش أصحاب الحراقات حالة من القلق الشديد، إذ يقول العاملون إنهم وجدوا أنفسهم أمام مصير مجهول يهدد مصدر رزقهم الوحيد، بعد سنوات من العمل في قطاع وُصف بأنه شاق وخطير. ويؤكد أصحاب الحراقات أنهم لا يرفضون تنظيم القطاع، بل يطالبون بحلول انتقالية وتعويضات عادلة تضمن عدم انهيار أوضاعهم المعيشية.
وشهدت منطقة ترحين خلال الأيام الماضية احتجاجات ووقفات غاضبة رفضًا لقرار الإغلاق الكامل، حيث طالب المحتجون بإعادة النظر في القرار أو توفير بدائل تشغيلية. كما حاول بعضهم الوصول إلى مدينة حلب لعرض مطالبهم، قبل أن يتم منعهم من الدخول، وفق ما يروونه، ما زاد من حدة التوتر.
ويؤكد أصحاب الحراقات أن هذا القطاع كان يعمل خلال السنوات الماضية ضمن ترتيبات تنظيمية سابقة، شملت تسجيل عدد من المنشآت وتوزيع النفط الخام وفق آليات محددة، معتبرين أنهم لم يكونوا خارج أي إطار تنظيمي.
ويشير العاملون إلى أنهم فوجئوا بقرار الإغلاق المفاجئ، خاصة بعد حديث عن تفاهمات سابقة لتزويد الحراقات بالنفط الخام ضمن شروط جديدة، قبل أن تتغير المعطيات لاحقًا وتُفرض قرارات بإيقاف العمل.
ويقول أصحاب الحراقات إن تكلفة إنشاء المنشآت كانت مرتفعة للغاية، حيث استثمر كثيرون مدخراتهم أو دخلوا في ديون كبيرة، ما يجعل إغلاق القطاع دون بدائل تهديدًا مباشرًا لمعيشتهم.
كما يوضح عاملون أن الحراقات لم تكن مجرد نشاط اقتصادي محدود، بل شكّلت جزءًا من منظومة معيشية واسعة اعتمدت عليها مناطق شمال سوريا في تأمين المشتقات النفطية وتشغيل المرافق الأساسية خلال سنوات الحرب.
ويضيفون أن توسع هذا القطاع جاء تدريجيًا نتيجة الحاجة المتزايدة للوقود، ما جعله مصدر دخل رئيسيًا لآلاف العمال والسائقين والورشات المرتبطة به بشكل مباشر أو غير مباشر.
في المقابل، يرى أصحاب الحراقات أن قرار الإغلاق دون خطة انتقالية قد يؤدي إلى أزمة بطالة واسعة في منطقة تعاني أصلًا من ضعف اقتصادي شديد وغياب فرص العمل.
وتشير مصادر عاملة في القطاع إلى أن عدد الحراقات في ترحين وحدها كبير جدًا، ما يعكس حجم الاستثمارات المرتبطة به خلال السنوات الماضية، وتكاليف تشغيل مرتفعة شملت معدات وتجهيزات معقدة.
ويؤكد عاملون أن جزءًا كبيرًا من الاستثمارات جاء من نازحين فقدوا ممتلكاتهم، ما دفعهم إلى الدخول في هذا القطاع باعتباره خيارًا اضطراريًا لتأمين الدخل.
وتوضح روايات أخرى أن نشوء الحراقات ارتبط بظروف النزوح وغياب البنية الاقتصادية، حيث تحولت المنطقة تدريجيًا إلى مركز إنتاج نفطي بدائي يلبي احتياجات محلية أساسية.
ويقول عاملون إن مازوت الحراقات أصبح جزءًا من دورة الحياة اليومية في المنطقة، إذ استُخدم في تشغيل المولدات والآليات الزراعية والمرافق الخدمية.
وتشير هذه المعطيات إلى أن القطاع تطور عبر سنوات الحرب ليصبح نظامًا اقتصاديًا قائمًا بذاته، رغم المخاطر البيئية والصحية المرتبطة به.
ومع توسع النشاط قبل سقوط النظام السابق، ازداد عدد الحراقات بشكل كبير نتيجة ارتفاع الطلب على الوقود، ما دفع إلى زيادة الاستثمارات في هذا المجال.
لكن مع التحولات الأخيرة وسياسات إعادة تنظيم قطاع النفط، وجد العاملون أنفسهم أمام قرار إغلاق يهدد استمرارية هذا النشاط بالكامل.
ويؤكد أصحاب الحراقات أنهم لا يرفضون التنظيم أو التطوير، لكنهم يطالبون بمرحلة انتقالية تضمن حماية العمال وأصحاب المشاريع من الانهيار الاقتصادي.
وتشير الجهات الرسمية إلى أن القرار مرتبط باعتبارات بيئية وصحية وسلامة عامة، في ظل ما تسببه عمليات التكرير البدائية من تلوث ومخاطر.
في المقابل، يطالب العاملون ببدائل تشغيلية أو تعويضات تتيح لهم الانتقال إلى عمل آخر دون خسارة استثماراتهم بالكامل.
وتحاول السلطات احتواء التوتر عبر فتح قنوات للتوظيف في القطاع الرسمي النفطي، إضافة إلى وعود بدراسة التعويضات.
وبينما تتجه المنطقة إلى إعادة تنظيم قطاع النفط، يبقى مصير آلاف العاملين في الحراقات معلقًا بين الخوف من البطالة وانتظار حلول بديلة.