دخلت المواجهة الأميركية مع إيران شهرها الثالث وسط تساؤلات متصاعدة داخل الأوساط السياسية والعسكرية في واشنطن بشأن قدرة الرئيس دونالد ترامب على تحويل التفوق العسكري إلى مكسب سياسي وإستراتيجي واضح، بعد أشهر من الضربات والعقوبات والتصعيد الإقليمي.
تحولت العملية العسكرية الخاطفة إلى نزاع معقد متعدد الجبهات، يتداخل فيه الملف النووي الإيراني وأمن الطاقة العالمي والملاحة البحرية ومستقبل النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط.
حقق ترامب مكاسب ميدانية واضحة ضد إيران، إلا أن هذه النتائج لم تتحول حتى الآن إلى إنجاز سياسي شامل يمكن تقديمه للرأي العام الأميركي باعتباره حسم المواجهة لصالح واشنطن.
تتمسك طهران بمواقفها الأساسية، وتحتفظ بأوراق ضغط مؤثرة، أبرزها السيطرة على مضيق هرمز وبرنامج نووي لم يتوقف رغم الضربات والعقوبات.
تتحكم إيران بصورة كبيرة بحركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية، ما منحها قدرة مباشرة على التأثير في أسواق الطاقة الدولية.
أدت التوترات في المضيق إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة عالمياً، وأثارت مخاوف واسعة داخل الولايات المتحدة والدول الخليجية.
أثبتت طهران، رغم الضربات العسكرية والاقتصادية القاسية، قدرتها على استخدام الجغرافيا والطاقة كورقة ضغط رئيسية ضد واشنطن وحلفائها.
بحسب محللين نقلت عنهم "رويترز"، تبدو تصريحات ترامب المتكررة عن "النصر الكامل" غير مقنعة لكثير من الخبراء، في ظل غياب تسوية سياسية أو انهيار واضح للنظام الإيراني.
تتأرجح التطورات الحالية بين مسار تفاوضي غير مستقر وتهديدات أميركية باستئناف العمليات العسكرية إذا تعثرت المحادثات.
يحذر متابعون من أن أي تصعيد جديد قد يدفع إيران إلى توسيع هجماتها ضد دول المنطقة أو المصالح الأميركية والخليجية.
يرى خبراء أن واشنطن وحلفاءها الخليجيين قد يخرجون من النزاع بوضع أكثر تعقيداً، في وقت أثبتت فيه إيران قدرتها على تعطيل جزء ضخم من تجارة الطاقة العالمية.
قال آرون ديفيد ميلر، المفاوض الأميركي السابق لشؤون الشرق الأوسط، إن الحرب التي صُممت لتكون "مغامرة قصيرة الأمد" تحولت تدريجياً إلى "فشل إستراتيجي طويل الأمد".
يشكل هذا التوصيف تحدياً حساساً لترامب المعروف برفضه الظهور بمظهر الخاسر في أي مواجهة سياسية أو عسكرية.
قد يدفع المأزق الحالي ترامب إلى رفض أي تسوية قد تبدو شبيهة باتفاق 2015 النووي الذي انسحب منه خلال ولايته الأولى.
تحاول الإدارة الأميركية الموازنة بين الضغوط العسكرية وخيار العودة إلى المفاوضات، مع إبقاء التهديد بالقوة قائماً.
أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض أوليفيا ويلز أن الولايات المتحدة "حققت أو تجاوزت جميع أهدافها العسكرية" خلال العمليات ضد إيران، مشيرة إلى أن ترامب "يبقي جميع الخيارات مطروحة على الطاولة".
واجه ترامب ضغوطاً داخلية متزايدة بسبب التداعيات الاقتصادية والسياسية للحرب داخل الولايات المتحدة.
ارتفعت أسعار البنزين والطاقة في السوق الأميركية بصورة ملحوظة منذ بداية التصعيد، ما انعكس سلباً على نسب التأييد الشعبي للرئيس الأميركي.
تأتي هذه الضغوط قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني، والتي يسعى خلالها الحزب الجمهوري للحفاظ على أغلبيته داخل الكونغرس.
خاض ترامب حملته الانتخابية متعهداً بتجنب الحروب الطويلة والتدخلات العسكرية المكلفة، إلا أن الملف الإيراني وضع إدارته أمام صراع مفتوح لم يتمكن حتى الآن من إنهائه.
أصبح ترامب أمام خيارين صعبين: قبول اتفاق قد يبدو ناقصاً للخروج من الأزمة، أو توسيع العمليات العسكرية مع خطر إطالة أمد النزاع.
يتحدث خبراء عن احتمال لجوء ترامب إلى تنفيذ ضربات جديدة لكنها محدودة، ثم تقديمها للرأي العام باعتبارها "انتصاراً نهائياً" يسمح بإغلاق الملف سياسياً.
أشار مراقبون إلى احتمال محاولة ترامب تحويل الاهتمام السياسي والإعلامي إلى ملفات أخرى مثل كوبا، أملاً في تحقيق اختراق أسهل.
ترى تقارير أن الإدارة الأميركية أخطأت في تقدير طبيعة المواجهة مع إيران بعدما توقعت عملية سريعة شبيهة بالعملية الأميركية في فنزويلا مطلع العام الجاري.
يواصل عدد من مستشاري ترامب السابقين الدفاع عن سياساته تجاه طهران.
اعتبر ألكسندر جراي، المستشار السابق في إدارة ترامب الأولى، أن الضربات التي تلقتها القدرات العسكرية الإيرانية تمثل "نجاحاً إستراتيجياً" بحد ذاتها.
قال جراي إن المواجهة دفعت دول الخليج للاقتراب أكثر من الولايات المتحدة والابتعاد تدريجياً عن الصين.
شهدت الأشهر الأولى من العمليات تدميراً واسعاً للبنية العسكرية الإيرانية، شمل استهداف مخزون الصواريخ الباليستية وإغراق جزء كبير من الأسطول البحري الإيراني ومقتل عدد من كبار القادة العسكريين.
ردت طهران بإغلاق مضيق هرمز جزئياً وتنفيذ هجمات على إسرائيل وأهداف داخل دول خليجية.
فرض ترامب لاحقاً حصاراً على الموانئ الإيرانية، إلا أن هذه الخطوة لم تؤدِّ إلى إخضاع طهران أو دفعها للتراجع عن مواقفها.
قدمت القيادة الإيرانية التطورات داخلياً باعتبارها "صموداً وانتصاراً" في مواجهة الولايات المتحدة، رغم الخسائر العسكرية والاقتصادية الكبيرة.
أعلن ترامب منذ بداية الحرب أن أهدافه تشمل منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وإنهاء قدرتها على تهديد المنطقة، ودعم إسقاط النظام الإيراني.
لا تظهر حتى الآن مؤشرات واضحة على تحقق هذه الأهداف بصورة كاملة.
يعتقد محللون أن إيران لا تزال تحتفظ بجزء مهم من برنامجها النووي وقدراتها الصاروخية.
تشير تقارير إلى بقاء مخزون من اليورانيوم عالي التخصيب مدفوناً بعد الغارات الأميركية والإسرائيلية، مع إمكانية إعادة معالجته مستقبلاً.
تواصل طهران رفض التخلي الكامل عن تخصيب اليورانيوم، مؤكدة تمسكها بما تصفه بـ"الحق السيادي" في البرنامج النووي السلمي.
كشف مسؤولان إيرانيان أن المرشد الأعلى مجتبى خامنئي أصدر توجيهات بعدم إرسال اليورانيوم عالي التخصيب إلى الخارج، ما يعقد أي تفاهم محتمل مع واشنطن.
يحذر بعض الخبراء من أن العمليات العسكرية قد تدفع إيران لتسريع جهودها النووية بدلاً من التراجع عنها، على غرار النموذج الكوري الشمالي.
لم يتحقق أيضاً هدف وقف دعم طهران للجماعات المسلحة الحليفة لها في المنطقة.
تتعامل واشنطن حالياً مع قيادات إيرانية جديدة أكثر تشدداً بعد مقتل عدد من القادة العسكريين والسياسيين خلال الأشهر الماضية.
تحتفظ إيران حتى الآن بقدرات صاروخية وطائرات مسيّرة قادرة على تهديد جيرانها والمصالح الأميركية.
تواجه إدارة ترامب أزمة إضافية تتمثل في تراجع التنسيق مع الحلفاء الأوروبيين، الذين رفض كثير منهم دعم العمليات أو الانخراط المباشر فيها.
تتابع الصين وروسيا تطورات النزاع عن كثب، وسط اعتقاد بأنهما استفادتا من دراسة نقاط الضعف التي ظهرت في الأداء العسكري الأميركي أمام الأساليب الإيرانية غير التقليدية.
أظهرت الحرب أيضاً حجم الاستنزاف الذي تعرضت له بعض مخزونات الأسلحة الأميركية خلال الأشهر الماضية.
تبدو الأزمة حتى الآن بعيدة عن الحسم النهائي، بينما يواصل ترامب البحث عن مخرج سياسي أو عسكري يسمح له بإنهاء المواجهة دون الظهور بمظهر المتراجع أو الخاسر.