بيروت ودمشق تتحركان لإعادة تنظيم الملفات المشتركة

2026.05.23 - 11:55
Facebook Share
طباعة

يفتح الحديث عن إنشاء لجنة عليا مشتركة بين لبنان وسوريا نقاشاً واسعاً حول مستقبل العلاقة بين البلدين، وما إذا كان المسار الجديد يمثل محاولة فعلية لإعادة تأسيس العلاقة على قاعدة المصالح والمؤسسات، أو مجرد إعادة إنتاج لإطار قديم بصيغة مختلفة.

 

لا تبدو المسألة مرتبطة فقط بتغيير اسم "المجلس الأعلى السوري ـ اللبناني" أو استبداله بلجنة مشتركة، لأن الذاكرة السياسية اللبنانية ما تزال تربطه بمرحلة اختلال في موازين العلاقة بين بيروت ودمشق، حين كان يُنظر إليه كأداة تعكس نفوذاً سياسياً وأمنياً سورياً داخل لبنان، أكثر من كونه إطاراً تقنياً للتنسيق بين دولتين.

 

لذلك، تواجه أي صيغة جديدة تحديات تتعلق بآليات إدارة العلاقة، وحدود صلاحيات اللجنة، وطريقة التعامل مع الاتفاقات القديمة، إضافة إلى طبيعة القنوات التي ستُدار عبرها الملفات المشتركة.

 

تكمن أهمية الانتقال من المجلس الأعلى إلى اللجنة المشتركة، وفق خبراء ومراقبين، في قدرة الطرفين على القطع مع منطق المرحلة السابقة، لا الاكتفاء بتغيير الشكل الإداري أو السياسي.

 

فلبنان لا يستطيع عملياً إدارة علاقته مع سوريا من دون آلية تنسيق دائمة، بحكم الجغرافيا والملفات المشتركة، وفي مقدمتها ملف النازحين والطاقة والتبادل التجاري والقضائي والحدودي.

 

لكن جوهر النقاش يتمحور حول طبيعة هذا التنسيق، وما إذا كان سيجري بين مؤسسات رسمية واضحة وخاضعة للمساءلة، أو عبر مراكز نفوذ وقنوات غير معلنة.

 

وتبرز هنا أهمية مراجعة الاتفاقات الثنائية القديمة، باعتبارها أحد الاختبارات الرئيسية لأي مسار جديد.

 

فالقضية لا تتعلق بإدارة الاجتماعات أو ترتيب الزيارات الرسمية، بل بإخضاع الاتفاقات السابقة لمراجعة قانونية وسياسية واقتصادية تحدد ما الذي ما يزال يخدم مصالح البلدين، وما الذي يحتاج إلى تعديل أو إلغاء.

 

كما يرتبط نجاح أي إطار جديد، بحسب خبراء، بامتلاك لبنان رؤية واضحة تجاه العلاقة مع سوريا، ضمن توازن يحفظ المصالح والسيادة.

 

ويُنظر إلى الاقتصاد باعتباره المدخل الأقل حساسية لإعادة تنظيم العلاقة بين البلدين، خصوصاً في ملفات المعابر ورسوم العبور والروزنامة الزراعية والتجارة والنقل.

 

فهذه الملفات ترتبط مباشرة بالمصالح اليومية للمزارعين والتجار والمصدرين، أكثر من ارتباطها بالاصطفافات السياسية.

 

وتبرز أهمية الحديث عن إنشاء مجلس أعمال لبناني ـ سوري مشترك، بما يسمح بنقل العلاقة من مستوى الخطاب السياسي إلى مستوى المصالح الاقتصادية القابلة للقياس.

 

لكن هذا المسار يحتاج، وفق مراقبين، إلى خطوات واضحة تشمل تنظيم المعابر، وضبط الحدود، وتوحيد الرسوم، ومكافحة التهريب الذي يستنزف اقتصاد البلدين.

 

ولا يُنظر إلى هذه الملفات باعتبارها اقتصادية فقط، لأن المعابر والتهريب والتبادل التجاري ترتبط أيضاً بمفاهيم السيادة وقدرة الدولة على إدارة حدودها وقطاعاتها الإنتاجية.

 

في موازاة المسار الاقتصادي، تظل الهواجس الأمنية حاضرة بقوة في العلاقة اللبنانية ـ السورية، رغم ما تردد عن تطمينات سورية وصلت إلى بيروت بعدم وجود نية للتدخل العسكري في لبنان.

 

وتكتسب هذه الرسائل أهميتها في ظل التوترات الإقليمية المرتبطة بالحدود، وانتشار الجماعات المسلحة، ودور حزب الله، إضافة إلى حسابات إيران وتركيا في المشهد الإقليمي.

 

لكن التطمينات السياسية، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لبناء علاقة مستقرة، إذ تبقى الحاجة قائمة إلى آليات واضحة تضبط الحدود وتمنع التهريب والتوترات وتضمن خضوع التنسيق للمؤسسات الرسمية.

 

ويُعد ملف النازحين والحدود والتهريب أحد أكثر الملفات حساسية، لأنه يجمع بين البعدين الأمني والسياسي، ويتطلب تنسيقاً مباشراً بين الدولتين إلى جانب توافق داخلي لبناني حول طريقة إدارته.

 

كما تبرز مخاوف من أن تتحول اللجنة الجديدة إلى ساحة خلاف إذا جرى التعامل مع هذه الملفات بمنطق المقايضة أو الضغوط المتبادلة.

 

ويحذر مراقبون من عودة "الملف الأمني" ليتصدر العلاقة بين البلدين على حساب بقية الملفات، بما يعيد إنتاج نماذج التنسيق السابقة غير الخاضعة للمساءلة السياسية والمؤسساتية.

 

ويقف المسار اللبناني ـ السوري الجديد أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرته على تأسيس علاقة تقوم على الندية والمؤسسات والمصالح المتبادلة، بعيداً عن الصيغ الرمادية والتداخلات التي طبعت مراحل سابقة من تاريخ البلدين.


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 6