تشير التطورات الميدانية الأخيرة على الجبهة الجنوبية إلى تحوّل واضح في طبيعة العمليات التي ينفذها حزب الله ضد الجيش الإسرائيلي، مع تصاعد التركيز على استهداف القيادات العسكرية الميدانية والمسؤولين عن إدارة العمليات القتالية قرب الحدود اللبنانية.
وأظهرت المعطيات الميدانية أن الحزب بات يعتمد بصورة متزايدة على عمليات رصد وتعقب دقيقة لتحركات الضباط والقادة العسكريين، قبل تنفيذ هجمات مباشرة بواسطة المسيّرات الانقضاضية أو الأسلحة الدقيقة، في إطار مواجهة استخباراتية وميدانية متواصلة بين الجانبين.
وفي أحدث العمليات، استهدفت مسيّرة مفخخة مبنى تمركزت داخله قوة إسرائيلية جنوب لبنان، ما أدى إلى إصابة قائد لواء المدرعات 401 في الجيش الإسرائيلي العقيد مائير بيدرمان بجروح خطيرة، وفق ما أوردته وسائل إعلام إسرائيلية. وذكرت التقارير أن المسيّرة اخترقت المبنى وانفجرت داخله، ما تسبب أيضاً بإصابة عدد من الجنود، بينهم عناصر احتياط، وسط حديث عبري عن سقوط إصابات إضافية في الموقع المستهدف.
كما طالت الهجمات ضابطاً يقود سرية في الكتيبة الهندسية 601 العاملة في المناطق الحدودية، إلى جانب استهداف وحدة مرتبطة بمكتب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، في مؤشر إلى اتساع دائرة الأهداف التي باتت تشمل البنية القيادية والوحدات المسؤولة عن إدارة العمليات والإعلام العسكري.
وسبق ذلك تنفيذ هجوم بمسيّرة انقضاضية استهدف قائد اللواء 300 الإسرائيلي داخل مستوطنة شوميرا الحدودية، وهي منطقة تضم غرف عمليات ومنظومات استطلاع ومراكز دعم لوجستي تستخدم لإدارة النشاط العسكري في القطاع الغربي المحاذي للحدود اللبنانية.
كذلك شهدت الفترة الماضية استهداف مركبة عسكرية مرتبطة بقيادة ميدانية إسرائيلية في القطاع الغربي، من دون أن يكشف الجيش الإسرائيلي رسمياً عن هوية الضابط المستهدف، رغم تداول وسائل إعلام عبرية معلومات عن وقوع إصابات في صفوف طاقم قيادي ميداني.
ويعكس تكرار هذا النوع من العمليات خلال فترة قصيرة توجهاً عملياتياً جديداً لدى حزب الله يقوم على استنزاف منظومة القيادة والسيطرة لدى الجيش الإسرائيلي، عبر استهداف الضباط المسؤولين عن إدارة المعارك الميدانية، إلى جانب مواصلة ضرب الآليات والتجمعات العسكرية.
وتشير طبيعة الهجمات المستخدمة، خصوصاً المسيّرات الدقيقة، إلى تطور ملحوظ في القدرات الاستخباراتية والتقنية للحزب، بما يسمح بتعقب تحركات القيادات العسكرية واستهدافها داخل مواقع محصنة نسبياً، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بشأن حماية غرف القيادة والضباط العاملين قرب الحدود الشمالية.
ميدانياً، تتواصل محاولات الجيش الإسرائيلي فتح محور عسكري باتجاه قلعة الشقيف جنوب لبنان، من دون تحقيق تقدم ثابت حتى الآن، في ظل استمرار الاستهدافات التي تطال القوات المتقدمة عبر القصف الصاروخي والكمائن والهجمات بالمسيّرات.
وشهدت مناطق أرنون ويحمر الشقيف والتلال المحيطة بالقلعة تصعيداً في القصف المدفعي والغارات الجوية الإسرائيلية، بالتزامن مع محاولات تحرك بري عبر محاور دير سريان وزوطر الشرقية، سعياً للالتفاف على المسارات الأكثر تعقيداً المؤدية إلى المنطقة.
وبحسب المعطيات الميدانية، واجهت القوات الإسرائيلية صعوبات كبيرة نتيجة الطبيعة الجغرافية الوعرة، إضافة إلى الاستهدافات المكثفة التي نفذها حزب الله ضد التحركات العسكرية والآليات المتقدمة. كما سجلت هجمات متكررة بالصواريخ والمسيّرات الانقضاضية على تجمعات ومحاور تحرك إسرائيلية، ما أعاق تثبيت أي نقاط متقدمة قرب القلعة.
وتحظى قلعة الشقيف بأهمية عسكرية كبيرة نظراً لإشرافها على مساحات واسعة من جنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة، ما يجعلها نقطة استراتيجية حساسة ضمن المواجهات الدائرة على الحدود.
وفي محور آخر، أعلن حزب الله إفشال محاولات الجيش الإسرائيلي التقدم نحو بلدة حدّاثا، رغم الغارات الجوية والقصف المدفعي المكثف الذي سبق عمليات التوغل. وأظهرت المواجهات استخدام الجيش الإسرائيلي جرافات وآليات هندسية لفتح طرقات وتفكيك التحصينات انطلاقاً من محور رشاف باتجاه البلدة، قبل أن تتعرض القوات المتقدمة لكمائن واستهدافات مباشرة.
ووفق المعطيات المتداولة، حاولت القوات الإسرائيلية أكثر من مرة إعادة تنظيم الهجوم عبر الدفع بتعزيزات ودبابات إضافية تحت غطاء جوي ومدفعي كثيف، غير أن الاستهدافات المتواصلة لمحاور التقدم وقوات الإسناد أدت إلى تدمير أربع دبابات ميركافا وإيقاع إصابات مباشرة في صفوف القوات المهاجمة، ما دفعها في نهاية المواجهات إلى الانسحاب باتجاه بلدة رشاف تحت غطاء دخاني، بعد تعذر تثبيت مواقع داخل حدّاثا.
وتواصلت العمليات العسكرية على امتداد القطاعين الغربي والأوسط، حيث نفذ حزب الله هجمات استهدفت مواقع وتجمعات وآليات إسرائيلية داخل المناطق الحدودية والمستوطنات، مستخدماً الصليات الصاروخية وقذائف المدفعية والصواريخ الموجهة والمسيّرات الانقضاضية.