كشفت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير جديد عن تفاصيل مجزرة واسعة استهدفت مسلمي الروهينغيا في ولاية راخين غربي ميانمار خلال عام 2024، مؤكدة أن مئات المدنيين قُتلوا، فيما تعرضت قرية كاملة للحرق والتدمير، وسط غياب أي محاسبة أو إجراءات تضمن عودة الناجين إلى منازلهم.
وفي تقرير موسع جاء تحت عنوان «هياكل عظمية وجماجم متناثرة في كل مكان: مجزرة جيش أراكان لمسلمي الروهينغيا في هويا سيرى، ميانمار»، قالت المنظمة إن مقاتلين تابعين لما يعرف بـ«جيش أراكان» نفذوا عمليات قتل مباشرة بحق مدنيين عزل أثناء محاولتهم الفرار من القرية بحثاً عن مناطق أكثر أمناً، بعد تقدم قوات الجماعة باتجاه مواقع تابعة للجيش الميانماري في المنطقة.
ووفق التقرير، فإن المجزرة وقعت بتاريخ الثاني من مايو عام 2024 داخل قرية هويا سيرى في ولاية راخين، إلا أن تفاصيل الحادثة لم تتكشف بشكل واسع إلا بعد مرور أكثر من عام، عقب تمكن عدد من الناجين من الفرار إلى كل من بنغلاديش وماليزيا، حيث أدلوا بشهادات حول ما جرى داخل القرية خلال الهجوم.
وأضافت المنظمة أن جيش أراكان نفى مسؤوليته عن المجزرة، وقال في رسالة وجهها إلى المنظمة إن عملياته استهدفت فقط عناصر من الجيش أو مجموعات روهينغية مسلحة، إلا أن نتائج التحقيقات التي أجرتها المنظمة الحقوقية خلصت، بحسب التقرير، إلى معطيات تتعارض مع هذه الرواية.
واعتمد التحقيق على مقابلات مع عشرات الشهود والناجين، إلى جانب تحليل صور أقمار صناعية ومقاطع فيديو وصور فوتوغرافية من المنطقة. كما جمعت المنظمة قائمة تضم أكثر من 170 شخصاً من سكان القرية، بينهم نحو 90 طفلاً، قُتلوا أو ما زالوا في عداد المفقودين منذ وقوع الهجوم، مع ترجيحات بأن العدد الفعلي للضحايا قد يكون أعلى بكثير.
وأشار التقرير إلى أن الصور التي جرى تحليلها أظهرت وجود بقايا بشرية في ثلاثة مواقع مختلفة داخل القرية، كما ظهرت ملابس مدنية بين الرفات في موقعين على الأقل، وهو ما اعتبرته المنظمة مؤشراً على أن الضحايا كانوا من المدنيين. كذلك تحدث شهود عن قيام مقاتلي جيش أراكان بإحراق القرية بالكامل وتدمير المنازل والممتلكات عقب السيطرة عليها.
وفي شهادات أخرى أوردها التقرير، قال سكان وناجون إن المقاتلين استولوا على الأموال والمجوهرات الخاصة بالأهالي، فيما تحدث أحد المحتجزين السابقين لدى جيش أراكان عن تعرضه وآخرين للتعذيب والضرب، بما في ذلك استخدام الصعق الكهربائي أثناء الاحتجاز.
كما نقل التقرير إفادات تتحدث عن خطف نساء وفتيات من الروهينغيا خلال الهجوم، دون توفر معلومات واضحة حول مصيرهن لاحقاً.
وذكر التقرير أيضاً أن جيش أراكان أصدر خلال فبراير عام 2025 أوامر تقضي بنقل جميع الناجين من سكان قرية هويا سيرى إلى مخيم مؤقت قريب، بينما قال أشخاص تمكنوا لاحقاً من الفرار إلى بنغلاديش إنهم تعرضوا لقيود مشددة على الحركة والعمل القسري، إضافة إلى معاناة حادة بسبب نقص الغذاء والرعاية الصحية والخدمات الأساسية.
وأضاف الناجون أن الجماعة المسلحة نظمت خلال أغسطس 2025 زيارة إعلامية خاضعة للرقابة إلى القرية، حيث أُجبر بعض السكان الناجين على الإدلاء بإفادات تنفي مسؤولية جيش أراكان عن قتل المدنيين، وفق ما ورد في التقرير.
وفي سياق أوسع، أشارت المنظمة إلى أن المواجهات المسلحة بين قوات المجلس العسكري الحاكم في ميانمار وجيش أراكان تجددت في ولاية راخين منذ نوفمبر 2023، مؤكدة أن طرفي النزاع متهمان بارتكاب انتهاكات واسعة تشمل استهداف المدنيين وإحراق الممتلكات وعمليات تجنيد قسري.
كما ذكّرت المنظمة بأن الجيش الميانماري ارتكب خلال السنوات الماضية عمليات وصفت بأنها تطهير عرقي وأفعال إبادة جماعية بحق أقلية الروهينغيا في ولاية راخين، الأمر الذي تسبب في نزوح أكثر من مليون شخص إلى دول مجاورة، خصوصاً إلى بنغلاديش التي تستضيف العدد الأكبر من اللاجئين الروهينغيا.
وفي ختام تقريرها، دعت هيومن رايتس ووتش جميع الأطراف المتحاربة، بما فيها جيش أراكان والجيش الميانماري، إلى وقف الهجمات ضد المدنيين، والإفراج عن المحتجزين بشكل غير قانوني، وضمان تقديم تعويضات وإنصاف للضحايا وعائلاتهم، إضافة إلى التعاون مع التحقيقات الدولية والسماح للجهات الأممية والمنظمات الحقوقية المستقلة بالوصول إلى المناطق المتضررة في ولاية راخين.