دفعت الحروب والأزمات الاقتصادية وتراجع فرص العمل وتغيرات المناخ ملايين الأشخاص إلى مغادرة بلدانهم خلال السنوات الأخيرة، لتتحول الهجرة إلى واحدة من أبرز القضايا العالمية وأكثرها تأثيرًا على الاقتصادات والسياسات والمجتمعات، بينما بقيت أوروبا الوجهة الأكثر جذبًا للمهاجرين حول العالم.
تكشف الأرقام اتساع الظاهرة؛ إذ بلغ إجمالي عدد المهاجرين عالميًا 304 ملايين شخص خلال عام 2024، واستقبلت أوروبا وحدها 94 مليون مهاجر، مقارنة بـ92 مليونًا في آسيا و61 مليونًا في أمريكا الشمالية.
ورغم المخاطر المتزايدة، لم تتوقف موجات الهجرة، إذ سجل العام الماضي وفاة أو فقدان 8 آلاف شخص خلال رحلات الهجرة، ليرتفع إجمالي الضحايا منذ عام 2014 إلى أكثر من 80 ألف شخص.
تتنوع دوافع الهجرة بين أسباب اقتصادية وأمنية واجتماعية وتعليمية وبيئية.
تشمل الأسباب الاقتصادية البحث عن فرص عمل أفضل وتحسين مستوى المعيشة والهروب من البطالة والفقر.
أما الأسباب الأمنية والسياسية فتتعلق بالنزاعات المسلحة والحروب والاضطهاد وانتهاكات حقوق الإنسان.
تدفع عوامل أخرى كثيرين نحو الرحيل، مثل لمّ شمل العائلات، والبحث عن فرص تعليمية أفضل، إضافة إلى تداعيات التغير المناخي والكوارث الطبيعية.
داخل الاتحاد الأوروبي، الذي يضم 27 دولة، وصلت أعداد المهاجرين إلى مستويات قياسية.
بلغ عدد المهاجرين المقيمين في دول الاتحاد 64.2 مليون مهاجر خلال 2025، بزيادة قدرها 2.1 مليون شخص مقارنة بعام 2024.
تكشف المقارنات حجم الارتفاع، إذ لم يكن العدد يتجاوز 40 مليون مهاجر عام 2010.
تصدرت ألمانيا قائمة الدول الأوروبية الأكثر استضافة للمهاجرين، بعدما ارتفع العدد من 10 ملايين عام 2010 إلى 18 مليونًا عام 2025.
جاءت فرنسا ثانية بإجمالي 9.6 ملايين مهاجر، تلتها إسبانيا بفارق محدود عند 9.5 ملايين مهاجر.
سجلت إسبانيا أعلى معدل نمو بين الدول الكبرى بنسبة 50% مقارنة بعام 2010، كما استقبلت وحدها 700 ألف مهاجر جديد خلال 2025، أي ما يقارب ثلث إجمالي الوافدين الجدد إلى الاتحاد الأوروبي.
احتلت إيطاليا المرتبة الرابعة، بعدما ارتفع عدد المهاجرين فيها من 4.6 ملايين عام 2010 إلى نحو 6.9 ملايين خلال 2025.
أما بقية الدول الأوروبية، فارتفع إجمالي المهاجرين فيها من 11.6 مليونًا عام 2010 إلى 20.4 مليونًا خلال 2025.
وعند قياس نسبة المهاجرين مقارنة بعدد السكان، جاءت لوكسمبورغ في الصدارة بنسبة 52% من السكان، تلتها مالطا بنسبة 32%، ثم قبرص بنسبة 28%.
بلغت النسبة 23% في أيرلندا والنمسا، و21% في ألمانيا، و20% في السويد وبلجيكا، و19% في إسبانيا.
وصل متوسط نسبة المهاجرين إلى السكان داخل الاتحاد الأوروبي إلى 14%.
أما أكثر الدول استقبالًا للمهاجرين خلال 2024، فجاءت إسبانيا في المركز الأول بـ1.22 مليون مهاجر، ثم ألمانيا بـ1.03 مليون، تلتها إيطاليا بـ410 آلاف، ثم فرنسا بـ353 ألفًا.
لا يرتبط الجدل الأوروبي بشأن الهجرة بالأرقام فقط، بل يمتد إلى أزمة ديمغرافية متفاقمة داخل القارة.
بلغ عدد سكان الاتحاد الأوروبي مطلع 2025 نحو 450 مليون نسمة، بما يمثل 5.7% من سكان العالم، مقارنة بـ12.9% عام 1950.
تشير التقديرات إلى تراجع هذه النسبة إلى 3.7% بحلول عام 2070.
منذ 2012 أصبحت الوفيات في أوروبا تتجاوز أعداد المواليد بصورة منتظمة، ما جعل الهجرة إحدى الأدوات الرئيسية لمعالجة النقص السكاني وتراجع اليد العاملة.
تحتاج أوروبا، وفق تقديرات متداولة، إلى نحو مليوني مهاجر سنويًا، بينما تستهدف الخطط الأوروبية استقبال 1.2 مليون مهاجر سنويًا حتى عام 2030.
أصبح ملف الهجرة في أوروبا مرتبطًا بالاقتصاد وسوق العمل والتركيبة السكانية ومستقبل المجتمعات، ولم يعد مجرد قضية حدود أو عبور.