كيف تحولت الهدنة بجنوب لبنان إلى إدارة للصراع

2026.05.18 - 16:44
Facebook Share
طباعة

 مع استمرار الغارات الإسرائيلية على مناطق واسعة من جنوب لبنان، يتزايد الجدل حول حقيقة الهدنة القائمة وما إذا كانت تمثل خطوة فعلية نحو وقف الحرب أو مجرد مرحلة مؤقتة لإدارة التصعيد العسكري ضمن تفاهمات سياسية وأمنية معقدة. فرغم الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 17 أبريل وتم تمديده لمدة 45 يوما، فإن التطورات الميدانية تشير إلى استمرار الاشتباكات والعمليات العسكرية بوتيرة مرتفعة.

 

الواقع الحالي في الجنوب اللبناني يعكس فجوة واضحة بين النصوص الدبلوماسية والتطبيق العملي على الأرض. فالهدنة التي يفترض أن تؤدي إلى خفض شامل للعمليات القتالية تحولت إلى صيغة هشة قابلة للانهيار في أي وقت، خاصة مع استمرار التحليق المكثف للطائرات المسيّرة والغارات الجوية والقصف المدفعي في عدد من المناطق الجنوبية.

 

في القانون الدولي، يُعرّف وقف إطلاق النار على أنه تعليق مؤقت للأعمال القتالية بين أطراف النزاع، ويُفترض أن يشكل خطوة تمهيدية نحو تسوية أوسع أو اتفاق دائم ينهي الحرب. كما تنص الأعراف الدولية واتفاقيات لاهاي على أن هذه التفاهمات تهدف إلى حماية المدنيين ومنع العمليات الهجومية وتهيئة الظروف للحلول السياسية، إلا أن التطبيق العملي يبقى مرتبطا بمدى التزام الأطراف المتنازعة ببنود الاتفاق.

 

لكن المقاربة الإسرائيلية لوقف إطلاق النار تبدو مختلفة عن المفهوم التقليدي المتعارف عليه دوليا. فالتعامل الإسرائيلي مع الهدنة يقوم على استمرار العمليات العسكرية تحت مبررات أمنية مرتبطة بما تصفه تل أبيب بـ"إزالة التهديدات"، حتى خلال فترات التهدئة. ووفق تقارير إعلامية إسرائيلية، فإن تمديد الهدنة يُنظر إليه داخل الدوائر السياسية والأمنية باعتباره فرصة إضافية لمواصلة الضغط العسكري على حزب الله، وليس مرحلة لتجميد كامل للعمليات.

 

كما تسعى إسرائيل، وفق تقديرات سياسية، إلى زيادة الضغط على الدولة اللبنانية لدفعها نحو مواجهة ملف سلاح حزب الله، من خلال الفصل بين المسار السياسي والأمني ورفع كلفة الوضع القائم في الجنوب. وفي هذا السياق، نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تأكيده بقاء الجيش الإسرائيلي في المناطق التي سيطر عليها جنوب لبنان خلال فترة الهدنة.

 

أما الولايات المتحدة، فتتعامل مع اتفاق وقف إطلاق النار باعتباره أداة لإدارة النزاع وضبط إيقاع التصعيد، وليس بالضرورة لإنهائه بصورة نهائية. وتقوم المقاربة الأمريكية على منح هامش واسع لإسرائيل للتحرك العسكري تحت عنوان "الدفاع عن النفس"، بالتوازي مع دعم مسار سياسي تدريجي يهدف إلى الحفاظ على التوازنات الحالية في الجنوب اللبناني دون تغييرات جذرية.

 

ويرى مراقبون أن واشنطن تضغط على الحكومة اللبنانية في ملف سلاح حزب الله، مع الإبقاء على الوضع الميداني ضمن حدود يمكن التحكم بها، بما يمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة، لكنه لا يفرض أيضا وقفا كاملا للعمليات العسكرية.

 

في المقابل، يرفض حزب الله التخلي عن سلاحه، ويعتبر أن وجوده العسكري مرتبط باستمرار الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ جنوب لبنان، بعضها منذ سنوات طويلة، إضافة إلى المناطق التي شهدت مواجهات خلال حرب 2023-2024.

 

ميدانيا، لم تنجح الهدنة في إيقاف التصعيد بشكل فعلي، إذ تشهد مناطق مثل صور وصيدا والنبطية وبنت جبيل غارات متواصلة وتحركات عسكرية متكررة، إلى جانب إنذارات إخلاء وتحليق للطائرات المسيّرة. كما سُجل سقوط قتلى وجرحى مدنيين وتدمير منازل ومنشآت سكنية نتيجة الهجمات الإسرائيلية.

 

وفي المقابل، يواصل حزب الله تنفيذ عمليات بطائرات مسيّرة وهجمات يقول إنها تأتي ضمن سياسة الرد والاستنزاف المتبادل. وبحسب وسائل إعلام لبنانية، أسفرت موجة غارات إسرائيلية مكثفة السبت عن مقتل 7 أشخاص وإصابة 6 آخرين، بعد تنفيذ نحو 100 هجوم على مناطق لبنانية مختلفة، في خروقات جديدة لاتفاق وقف إطلاق النار.

 

هذه المعطيات تعزز الانطباع بأن الهدنة الحالية لا تمثل نهاية فعلية للحرب، بل مرحلة لإدارة الصراع ضمن قواعد اشتباك متغيرة تسمح باستمرار العمليات العسكرية ضمن سقوف سياسية محددة. فبدل الوصول إلى توقف شامل لإطلاق النار، باتت الهدنة تشكل مساحة لإعادة ترتيب الأوراق العسكرية والسياسية بانتظار ما ستفرضه التطورات الميدانية والمفاوضات المقبلة.

 

ويرتبط مستقبل الهدنة في جنوب لبنان بتوازنات دقيقة وقابلة للتبدل السريع، ما يجعل احتمالات التهدئة الشاملة أو العودة إلى تصعيد واسع مفتوحة على جميع السيناريوهات خلال المرحلة المقبلة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 8